جانبي فروقة
في عالم يتسارع فيه التحول التكنولوجي والاجتماعي لم يعد الحديث عن الأصول الاقتصادية يقتصر على الموارد الطبيعية أو المعدات الصناعية أو ضعف التدفقات المالية، بل بات الدماغ البشري هو الأصل الأكثر قيمة في الاقتصاد الحديث، ومؤخراً أشار تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن التحدي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس في صراع الإنسان مع الآلة، بل بناء شراكة فعّالة بين الذكاء البشري والاصطناعي، وهنا بدأ يتبلور ما يعرف بـاقتصاد الدماغ (Brain Economy)، وهو مفهوم يرى أن الصحة المعرفية والمهارات الذهنية والعاطفية والاجتماعية ليست مجرد خصائص شخصية فحسب، بل هي أصول اقتصادية حقيقية يمكن أن تشكل مستقبل النمو من الإنتاجية والابتكار، واقتصاد الدماغ سيعيد تعريف القوة الوطنية من مجرد أرقام في ميزانيات البنوك إلى رأس مال إدراكي يحدد من يقود قاطرة المستقبل ومن يتخلف عنها.
ساد الاعتقاد لعقود مضت أن الاستثمار في المصانع والطرق والبرمجيات (البنية التحتية) هو الضامن الوحيد للنمو، لكن الواقع الصادم اليوم يشير إلى أن الدول التي تمتلك أرقى التكنولوجيات تعاني من تباطؤ في الإنتاجية، والسبب ليس في الآلات بل في «الإجهاد الذهني» وتآكل المهارات المعرفية، فالعقل المرهق لا يبدع والذهن المشتت لا يتخذ قرارات استراتيجية؛ لذا تحول «رأس مال الدماغ» من مصطلح علمي إلى أصل اقتصادي واستراتيجي يعتمد على القدرات المعرفية من التركيز والتحليل والتفكير النقدي وعلى المرونة العاطفية من إدارة التوتر والقدرة على التعافي من الأزمات وعلى الذكاء الاجتماعي من التعاون والقيادة في بيئات عمل معقدة، وبات اليوم من الضروري التركيز على البنية الإدراكية.
وفي ظل التحولات الكبرى في سوق العمل والتكنولوجيا فإن الطلب على المهارات المعرفية والمعقدة بات أكثر أهمية من أي وقت مضى، ولم تعد الوظائف التقليدية تعتمد على القوة البدنية أو المهارات التقنية البسيطة، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على ما يعرف بالمهارات العليا للدماغ من القدرة على التفكير النقدي والابتكار والتكيف والتعاون والذكاء العاطفي والاستثمار في صحة الدماغ، وبناء المهارات العقلية يمكن أن يضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي على المدى الطويل، كما يمكن أن يسهم في تقليل نسبة العجز الناتج عن اضطرابات الصحة العقلية وتحسين رفاهية المجتمعات.
إن العقل البشري لن تقل أهميته في عصر الذكاء الاصطناعي (AI) وازدياد قوة الخوارزميات فيه، بل ستزداد قيمة اللمسة البشرية التي لا يمكن أتمتتها من الفهم الأخلاقي والتوجيه الإبداعي واتخاذ القرارات في ظروف عدم اليقين، فاقتصاد الدماغ سيضمن ألا يتحول البشر إلى تروس في آلة التكنولوجيا بل إلى قادة لها.
ومن التجارب الريادية في اقتصاد الدماغ إطلاق مبادرة «رأس المال الدماغي» (Brain Capital Alliance) التي يقودها الدكتور هاريس آير بالتعاون مع معهد «بروكينغز» ومنظمة OECD وتعتبر المحرك الأول عالمياً لتطوير «مؤشر رأس المال الدماغي» الذي يهدف إلى قياس مدى استثمار الدول في صحة أدمغة مواطنيها منذ الطفولة المبكرة وحتى سن الشيخوخة. وقد استثمر الاتحاد الأوروبي مليارات اليورو في مشروع «الدماغ البشري» الذي يهدف ليس فقط إلى علاج الزهايمر بل ابتكار حوسبة مستوحاة من الدماغ (Neuromorphic Computing) تستهلك طاقة أقل وتفكر بشكل أسرع، مما يربط البيولوجيا بالاقتصاد الرقمي، واليوم نجد دولاً مثل فنلندا وسويسرا تسعى للاستثمار في الرفاه النفسي كأداة إنتاجية، حيث تعتبر هذه الدول أن الصحة النفسية للموظف هي «أصل رأسمالي»، ففي فنلندا يتم تطبيق برامج تهدف إلى تقليل «الضباب المعرفي» في بيئات العمل؛ مما أدى إلى زيادة ملحوظة في معدلات الابتكار المسجلة عالمياً.. وتشير الأبحاث إلى أن الاقتصادات التي تستثمر في تنمية الدماغ منذ الطفولة وحتى الشيخوخة ستحصل على فوائد مضاعفة تصل إلى تسع أضاف التكلفة، والاستثمار في صحة الدماغ لا يتوقف عند علاج الاضطرابات النفسية أو العصبية بل يشمل الوقاية والتعليم والتدريب وبيئات العمل الداعمة وسياسات الصحة العامة.
وحسب معهد بروكينغز يؤكد الباحثون أن الاقتصادات التي تهمل صحة الدماغ تواجه مخاطر اقتصادية كبيرة، من بينها ضعف الإنتاجية وارتفاع معدلات الإجازة المرضية وزيادة تكاليف الرعية الصحية وتراجع القدرة على التكيف مع التغيرات السريعة في سوق العمل.
هناك عدة عوامل أساسية تؤثر في بناء رأس مال الدماغ على المستوى الفردي والمجتمعي، من بينها التعليم والتدريب مدى الحياة لأن تطوير المهارات المعرفية يحتاج إلى بيئات تعليمية مستمرة والصحة العقلية والنفسية؛ لأنها تؤثر مباشرة على القدرات الذهنية والأداء العام والتغذية والنمط الحياتي، حيث إن الغذاء الصحي والنوم الجيد يعتبر من أهم عوامل دعم الصحة الدماغية والبيئية الاجتماعية؛ لأن التفاعلات الاجتماعية الصحية تعزز المهارات العاطفية والاجتماعية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من رأس مال الدماغ.
إن اقتصاد الدماغ ليس مجرد فكرة أكاديمية جديدة بل هو رؤية استراتيجية لمستقبل الاقتصاد العالمي، ففي عالم يتطلب ذكاءً عاطفيًا وقدرة على التكيف وتواصلاً فعالاً وابتكاراً مستمرًا يصبح الدماغ البشري هو رأس المال الحقيقي الذي سيحدد من يقود النمو ومن يتخلف عنه.
فالاستثمار في صحة الدماغ وتنمية المهارات العقلية والاجتماعية ليس رفاهية، إنه شرط أساسي لبناء اقتصاد قوي، مرن، ومستدام في عالم ما بعد الثورة الصناعية الرابعة.
اليوم بدأت الدول والمؤسسات الكبرى تتجاوز المفهوم التقليدي لـ«رأس المال البشري» نحو مقاربة أدقّ وهي «رأس المال الدماغي» والتي تعكس إدراكًا متزايدًا بأن القيمة الاقتصادية الحقيقية لم تعد تُقاس بعدد العاملين أو سنوات التعليم بل بجودة العقل نفسه، وباتت المؤشرات الحديثة التي تتبناها منظمات دولية ومبادرات بحثية عالمية لم تعد تركز على غياب المرض بل على صحة الدماغ ولياقته العصبية ومرونته النفسية أمام الصدمات، وقدرته على الإبداع والتعلّم السريع والعمل الاجتماعي المعقّد. كما باتت تقيس مدى «صداقة» بيئات العمل والحياة للعقل البشري من الأمان النفسي والتغذية المبكرة إلى أثر الضجيج والإجهاد الرقمي، فضلًا عن سياسات التمكين التي تحمي هذا الأصل الجديد عبر الاستثمار في العلوم العصبية والتشريعات التي تصون خصوصية بيانات الدماغ.. هذا التحول يختصر معادلة الاقتصاد الجديد في سؤال واحد: لم يعد المهم كم نعمل، بل كيف نفكّر؟.
** **
- كاتب أمريكي