سهوب بغدادي
«كرنج»، «يفلم»، «برب»، «توكسيك»، «فايب»، «بكمي»، نمر بهذه العبارات المستحدثة من قبل صغار السن والشباب في المواقف اليومية عبر اللغة المنطوقة والمكتوبة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أضحت مثل تلك المصطلحات الدخيلة حاضرة بشكل قوي وبارز في غالبية النقاشات والمنازل في حال تواجد تلك الفئة العمرية، بل يتعدى أثرها إلى أجيال أكبر عمرًا أحيانًا، قد يستهجن الأكبر سنًا ما يسمع ويرى، ويستنكر تركيب الأصوات والكلمات مع بعضها بعضًا ضمن جملة عربية بحتة، خاصةً مع تواجد المقابل العربي لتلك الكلمة المستهجنة، إلا أنّ الأمر لا يخرج عن كونه ظاهرة طبيعية أو تنوعاً لغوياً في أغلب لغات العالم، إذ تتعدد أوصافها وأسماؤها كاللغة الشبابية أو لغة الشباب، أو لغة الجيل، أو الكلام الدارج، وتندرج ضمن الظواهر المتداخلة في اللغويات الاجتماعية، وتنطوي على سمات متعددة من أبرزها الاعتماد في كثير من الأحيان على التهجين اللغوي، مثل كلمة «دندن» حيث تقال في سياق تأكيد إتمام الشيء من قبل الشخص الذي طلبت من المهمة، ويعتقد أن أساسها من كلمة done بالإنجليزية أي انتهى أو تمام الأمر والشيء، وقد فهمتها بطريقة أخرى حينما قيلت لي، إنها مشتقة من فعل الدندنة والتنغيم الدالان على الراحة والاسترخاء، كأننا نقول «حط في بطنك بطيخة صيفي» وأمرك سيتم، كما لها أبعاد كالانتشار السريع والاندثار الذي قد يضاهي سرعة انتشارها.
تعد الظاهرة من ثقافة المنصات الرقمية التي تحمل بعداً نفسياً لغوياً يدخل في مرحلة بناء الهوية وخلق المسافة الاجتماعية بين الفئات العمرية الأخرى -الكبار في السن- وفي ذات الوقت تقريب المسافة بين الفئة المعنية بالأمر، أي بهدف الانتماء إلى مجموعة ما. بحسب لابوف، يعتبر الاختلاف اللغوي مرتبطاً بشكل وثيق بالمتغيرات الاجتماعية كالعمر والطبقة والخلفية الثقافية، في حين تتداخل اللغة الإنجليزية بشكل ملحوظ في تلك الظاهرة باعتبارها لغة الإنترنت إلا أن الظاهرة ليست حكرًا عليها، بل تتواجد كلمات شبابية عربية بحتة إلا أنها غير معتادة بالشكل أو الاستخدام في تلك المواضع، كمصطلح «حريقة» أي شيء جميل وجيد جدًا، ولا يقصد بها النار، وغيرها من المصطلحات وليدة الجيل والعصر، سنبقى نشهد بزوغ مصطلحات جديدة كل يوم وتبدلها بتبدل التقليعات و»الترند» واندثاره، وتلك من أهم سمات اللغات الإنسانية أنها حية تتشكل وتتبدل وتحتوي وتستقبل وتتفاعل مع المحيط، على أن نعرف ونعي ونعكس ذلك الفهم والوعي للأجيال القادمة حول تلك الظواهر وأبعادها وانعكاساتها وأن نطبق مفهوم لكل مقام مقال.