د. إبراهيم بن جلال فضلون
«البيانات هي نفط آخر في القرن 21»؛ وكأنها طريق يرسم خارطة الاقتصاد الرقمي، كما يراها عالم الاقتصاد البريطاني كلايف همبي، فلم تعد فيه الثروات تُقاس بما تحت الأرض، بل بما يختزن في الخوادم، ويُدار عبر الخوارزميات، ويُصان بسيادة رقمية صارمة. فمنذ سنوات، والمملكة تسير بخطى متسارعة نحو التحول الرقمي، لكنها في هذا المشروع تضع حجر الأساس لمرحلة مختلفة، مرحلة تنتقل فيها من تحديث الخدمات إلى إعادة هندسة الدولة نفسها في العصر الرقمي..
من هنا تبرز أهمية مشروع «هيكساجون» الرياض، لا كمركز بيانات فحسب، بل كإعلان سيادي عن دخول المملكة العربية السعودية قلب معركة المستقبل، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع السياسة، والاقتصاد مع الأمن، والتنمية مع المعرفة في عالم باتت فيه الدول تُقاس بقدرتها المعلوماتية وحمايتها، ليبرز «هيكساجون» بوصفه مشروعاً يتجاوز فكرة البنية التحتية إلى معنى أعمق: (بناء عقل الدولة الرقمي)، لنرى الشروع في بعده الإستراتيجي الأعمق وانسجامه مع رؤية 2030، الأشمل لدور المملكة عالمياً. وتأكيد موقعها كمحور رقمي إقليمي وعالمي.
قوة الشبكات:
«من يملك المعلومة يملك القرار»، مقولة تُكتسب معناها الكامل في زمن الريادة الحوسبية، فقد صُمم «هيكساجون» ليكون الحاضن المركزي للبيانات الحكومية، بطاقة تشغيلية هائلة، ومعايير موثوقية عالية، وقدرة على العمل المتواصل دون انقطاع، وهو ما يثبت قدرة الدولة على ضمان استمرارية خدماتها، وحماية بيانات مواطنيها، وتحصين قرارها الوطني في بيئة دولية تزداد فيها الهجمات السيبرانية والمخاطر الرقمية تعقيداً، لا فقط عن أرقام تقنية مجردة.
لذلك فإن «القوة في القرن 21 هي قوة الشبكات»، كما يقول عالم السياسة الأميركي جوزيف ناي، و»هيكساجون» يضع المملكة في قلب شبكة عالمية من البيانات، والشراكات التقنية، والتدفقات المعرفية.
اقتصادياً:
بات الاقتصاد الرقمي أحد أعمدة النمو العالمي. فلا يمكن فصل المشروع عن تحولات عام 2025، حيث مراكز البيانات اليوم تشبه ما كانت عليه الموانئ في القرن 19 (بوابات للتجارة، والنفوذ، والتكامل الاقتصادي). وبالتالي يشكل «هيكساجون» رافعة حقيقية للاقتصاد السعودي، عبر دعم الحكومة الرقمية، وتمكين القطاعات المختلفة من العمل على منصات أكثر كفاءة وأقل تكلفة، وخلق بيئة جاذبة للاستثمارات التقنية عالية القيمة.
بيئيًا:
المشروع يترجم مقولة المهاتما غاندي الشهيرة: «الأرض تكفي حاجة الإنسان، لكنها لا تكفي جشعه»، في محاولة لخلق توازن بين التوسع الرقمي والمسؤولية البيئية، حيثُ يُعد التحدي الأكبر لمراكز البيانات العملاقة عالمياً في استهلاك الطاقة والموارد، وهنا قوة «هيكساجون» متسقاً مع فلسفة الاستدامة، من خلال تقنيات متقدمة في كفاءة الطاقة، وأنظمة تبريد ذكية، وتصاميم تقلل الأثر البيئي.
بشرياً:
«الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر»، فالقيمة الحقيقية للمركز لا تكمن في الخوادم وحدها، بل في العقول التي ستديرها، و»هيكساجون» يوفر منصة حيوية للشراكات الدولية، تقوم على نقل المعرفة وبناء القدرات، لا على التبعية التقنية، وبالتالي يفتح الباب أمام جيل سعودي جديد من المتخصصين في علوم البيانات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات ستحدد شكل سوق العمل والاقتصاد في العقود القادمة.
إرث بنيوي:
«الأمي في القرن 21، ليس من لا يعرف القراءة والكتابة، بل من لا يعرف كيف يتعلم ويتكيف». تجسيد عملي في مقولة ألفين توفلر لهذا المعنى؛ مشروع يعبّر عن دولة اختارت أن تتعلم، وتتكيف، وتقود، لا أن تكتفي بالمشاهدة أو الاستهلاك، في عالم تُدار فيه الأزمات عبر البيانات قبل الدبابات، ويصبح امتلاك بنية رقمية سيادية شرطاً أساسياً للبقاء في الصفوف الأمامية، فإذا كان عام 2025 قد شهد تدشين هذا الصرح، فإن ما بعد 2026 يبدو أكثر أهمية. فـ»هيكساجون» ليس مشروعاً آنياً، بل إرث بنيوي طويل الأمد، سيشكّل قاعدة للابتكار الحكومي، ولتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ولصناعة قرارات أكثر دقة وفاعلية.
ختاماً:
لا تبدو الرياض وهي تحتضن أكبر مركز بيانات حكومي في العالم مدينةً تبني مباني تقنية فحسب، بل عاصمة تعيد تعريف علاقتها بالمستقبل. وكما قال ونستون تشرشل يوماً: «كلما نظرت بعيداً إلى الماضي، استطعت أن ترى أبعد في المستقبل»، فإن قراءة مسار التحول السعودي اليوم تكشف أن «هيكساجون» ليس مجرد بنية رقمية، بل رسالة واضحة: من يملك البيانات، ويحسن إدارتها، هو من يكتب فصول الغد.