د.محمد بن عبدالرحمن البشر
هذه الخطبة لكتاب كتبه عالم ترك لنا زادًا علميًا ما زلنا نتلذذ بما فيه وسيظل، وهو أحمد بن محمد المقري التلمساني الجزائري الأصل والمنشأ المالكي المذهب، والأشعري العقيدة، ولد عام تسعمائة وستة وثمانين، وتوفي في مصر ألف وواحد وأربعين للهجرة، والكتاب اسمه نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، وهو كتاب مشهور، ومرجع لا يستغنى عنه، ولسان الدين بن الخطيب السلماني أشهر من أن يعرف فهو ذو الوزارتين وذو العمرين وذو القبرين، فهو وزير الجيش والقلم، وذو العمرين لأنه يدير شؤون البلاد في النهار ويؤلف في الليل ولا ينام إلا قليلاً، وذو القبرين لأن الأحقاد رمت به في السجن وقتلته فيه، ثم أخرجت جثته وأحرقت، ثم دفن مرة أخرى، وقبره ما زال موجودًا في فاس في مكان يقال له باب المحرقة نسبة إلى ما جرى، وعندما يعتريني ما يعتري غيري في بعض الساعات أو الأيام من ضيق خاطر، يكون القرآن سلوة قلبي، وكتب ابن الخطيب سلوة عقلي، فلا أمل من قراءتها مرات ومرات، فقل أن تجد له نظير، فهو متعدد المواهب وزير وسفير وطبيب وشاعر وناثر ومؤرخ وفيلسوف وصوفي، ولو كان هناك علم آخر في زمانه لبرع فيه.
افتتاح الكتاب بعبارة خطبة الكتاب، يختلف عما اعتدنا على تسميته في مؤلفات هذا العصر، وهي تمهيد، والمؤلف تحدث عن نفسه وتنقلاته، وما لاقاه في مشواره الطويل، كما تحدث عن ابن الخطيب بإسهاب لأن الدافع لتأليف الكتاب، هو إعجاب المؤلف بابن الخطيب الذي عاش قبله بأكثر من مائتي عام، وكان المؤلف وهو في دمشق يتحدث بإسهاب عن المغرب، الجزائر، ومدن مثل غرناطة، وتلمسان وفاس ومراكش، وغيرها، كما كان يتحدث عن الأندلس التي أحب تاريخها وأدبها وأدبائها وعلى رأسهم ابن الخطيب، كان أحمد بن شاهين الدمشقي يحضر المطارحات العلمية التي تحدث في دمشق بين ابن الخطيب والعلماء الآخرين ويشارك في النقاش المحتدم، والزاد الوافر الذي يوفره الشيخ أحمد المقري عن اخبار تلك الديار البعيدة عن دمشق، فطلب من الشيخ تأليف كتاب يحوي تلك العلوم، لكن المقري لم يكن راغباً، ربما لكبر سنه، أو لأمر ما يخصه، لكن صاحبه ألح عليه، فاستجاب، وبدأ تأليف الكتاب في دمشق، وأتمه في مصر، فكان غاية في جمال الأسلوب وإن كان السجع يغلب عليه ويعيبه، وحفظ لنا هذا الشيخ في هذا السفر كنزا كاد يضيع لو بقي في ذهن صاحبه فحسب، ولهذا فإن التدوين مهم جداً لاستفادة الأجيال القادمة. والكتاب فيه الكثير من التاريخ والشعر والنثر والعبر، وأذكر من تلك العبر، ما ذكره المؤلف من أنه قد رأى أحد أحفاد أبي عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس وهو يعمل حدادًا في أحد أسواق فاس، فسبحان مغير الأحوال، قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وفيها من العبر أيضاً ما حدث للسان الدين بن الخطيب من غدر وقلة وفاء على يد من كان صاحب فضل عليهم، وكانوا طلاباً عنده ثم موظفين، منحهم المناصب والمال والجاه وعلى رأسهم القاضي النباهي وابن زمرك كاتبه الخاص، لكنهم غدروا به وأوغلوا عليه السلطان، وذهبوا من الأندلس إلى فاس، وأوعزوا لشخصين فقتلاه في السجن، لكن الله سلط أحد السلاطين اللاحقين على ابن زمرك فذاق ما ذاقه ابن الخطيب، فسبحان الذي بيده الأمر والنهي.