د.شريف بن محمد الأتربي
عملت في مجال التعليم كمعلم لما يربو على خمسة وعشرين عاما، مررت خلالها بتجارب عدة أثقلت خبراتي، وأنمت معارفي ومهارتي. امتهنت التعليم كمهنة وليس كوظيفة وأحببت طلابي وموادي، حاولت ألا أثقل عليهم بما لا ينفعهم، وأن أجعل ما يدرسونه جزءا من مهارتهم ومعارفهم وخبراتهم، والحمد لله أن غراسي قد نمت، وأثمرت حتى لا تكاد وزارة ولا هيئة في المملكة إلا وفيها أحد طلابي.
طوال فترة عملي بالتعليم كان هناك العديد من معكرات الصفو التي تهلك الطالب وتنهكه خلال رحلته التعليمية، وكانت الحلول دائما فردية حيث لا يمكنك التدخل فيما هو فرض عليك، وإنما دورك هو تيسير المراكب السائرة ولا أن تقف عقبة في طريقها حتى وإن كانت هذه العقبة لتوضيح الضرر أو لتصحيح الخطأ.
التعليم هو أهم أعمدة التنمية البشرية، إذ يسهم في تشكيل الأفراد والمجتمعات، فمن خلاله يتعلم الأفراد كلما يحتاجونه لبناء مستقبلهم ومستقبل أوطانهم، فطلبة اليوم هم قادة الغد، وهو يمثل أيضا أداة للتغيير والمساواة، حيث يوفر الفرص للتقدم الاجتماعي والاقتصادي، ورغم الشغف الذي يغلف أغلب الطلبة نحو خوض رحلة التعليم؛ إلا أن كثيرا منهم يواجهون عقبات ربما تعرقل أو تمنع تقدهم في هذه الرحلة، كونها فعليا لا تحقق الأهداف من التعليم.
زيادة الحمل التعليمي يعد عبئًا على الطلبة، حيث تتمدد المادة العلمية عبر سنوات الدراسة تكراريا في أكثر من سنة ومرحلة دراسية، ويتبعها زيادة وكم هائل من الواجبات والاختبارات، ناهيك عن المواد الأحادية التي تدرس لعام أو فصل واحد، فهي كمادة تتجاوز عدد أسابيع الفصل الدراسي، مما يجعل المعلم مضطرا أن يجري بها جريا حتى يستطيع أن ينهيها في موعدها وإلا يقع عليه اللوم والعتاب، ويؤثر ذلك على تقييمه السنوي.
هذا الحمل يُحول التعليم إلى سباقٍ مُتسارع، مما يؤثر سلبًا على صحته الطلبة النفسية وقدرتهم على الاستيعاب الفعّال، ويتبعون منهجية الحفظ دون فهمٍ حقيقي.
حيث يتطلب النظام التعليمي من الطلبة استذكار كميات ضخمة من المعلومات دون تمكينهم من التفكير النقدي أو القدرة على التطبيق العملي لما تعلموه، مما يُعزز من التعلم السطحي. الكل يتعلم بطريقة واحدة، حيث يُقدم التعليم للطلبة جميعهم بنفس السياق ونفس الآلية دون مراعاة للفروق الفردية أو المستويات العلمية والمهارية، ظانا من المعلم أن التفريق بين الطلبة حسب هذه المستويات سيوقعه تحت طائلة المحاسبة، بل أن كثيرا منهم يتجه نحو الطلبة المتميزين أو الطلبة الضعاف تعليميا تاركا أصحاب المقاعد الوسطية دون رعاية أو منهجية لحفزهم نحو التقدم في الصفوف واللحاق بركب المتفوقين.
إن تطبيق استراتيجيات تعليمية موحدة دون مراعاة الفروق الفردية يُعَدّ خطأً جسيمًا حيث يُفقد هذا النهج الطلبة ذوي المواهب الفريدة القدرة على التعبير عن أنفسهم، وبدلاً من تعزيز تنميتهم، يؤدي إلى إحباطهم، ويرجع ذلك كله إلى أساليب التدريس القائمة على التلقين- وهي الأكثر شيوعًا في الميدان التعليمي- مما يُقيّد حرية الطالب في التفكير والاستكشاف، ويُعطي انطباعًا بأن التعليم مجرد عملية تلقي معلومات دون مشاركة فعّالة من الطالب.
الاختبار؛ وما أدراك ما الاختبار، نار لسعت الشطار قبل الضعفاء، فحين يكون الاختبار مبنيا على ذاكرة الطالب، أو يكون هو الوسيلة الوحيدة لقياس مخرجات التعلم، او يكون من إعداد غير المتخصصين، أو يكون مبنيا بطريقة غير منهجية، أو... فهنا يتحول الاختبار من مضمار للتنافس الشريف إلى معكرات في التعليم.
إن اعتماد نظام التقييم -في كثير من الأحيان- على النتائج النصية (الحفظ) فقط، وإهمال الجوانب العملية والمهارات الحياتية، يكون هو القصور بعينه في كيفية قياس الفهم الحقيقي للمادة، كما أن التعامل مع الطلبة كأرقام في نظام تعليمي لازال يتمسك بأدواته القديمة يؤدي إلى إهمال صحتهم النفسية، وزيادة الضغوط المستمرة عليهم للمنافسة على الدرجات مما يتسبب في إصابة الكثير منهم بمشاكل نفسية – دون وجود نظام لمعالجة هذه المشكلات حتى الآن- مما يؤثر على جودة تعلمهم، بل قد يصل الأمر إلى تسربهم من التعليم، بل ومن الحياة الاجتماعية برمتها خوفا من وصمهم بالفشلة.
رغم التقدم التقني في مجال التعليم إلا أن بعض المناهج لازالت تُقدم بطريقة نظرية بعيدة عن عمق التعلم المطلوب لخرط الطلبة في واقع الحياة بعد الانتهاء من مرحلة التعليم العام أو التعليم الجامعي، كما أنها بعيدة عن واقع ومتطلبات الحياة وسوق العمل، مما يجعل الطلبة يشعرون بالانفصال عن عالمهم، وبالتالي يُقلل من قيمة تعليمهم في الأعوام القادمة.
على الرغم من فوائد التعليم الإلكتروني في إيصال المعرفة إلى أكبر عدد ممكن من المتعلمين، إلا أنه يعاني من مشكلات مماثلة، فهو لا يتم اللجوء إليه إلا في حالة طارئة، ورغم ما يوفره من إمكانات وسهولة في الوصول للمعلومة الموثقة، إلا أن بعض المعلمين لا يلجأون إليه بداعي قصر وقت الحصة أو عدم توفر الإمكانات المادية والبنية التحتية.
إنه من المستغرب أن تتوافر لدى المعلمين والإدارات وسائل تدعم بها الطلبة وتساعد على ردم الفجوة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية بين الطلبة ونحن لازلنا ندرس هل نستخدم التعليم الإلكتروني أم لا؟
تُشكل المعوقات في التعليم تحديًا يتطلب تكاتف الجهود للتغلب عليه، وضمان توفير تجربة تعليمية شاملة وفعّالة، ومن خلال إدراك هذه التحديات والعمل على معالجتها عبر تبني إستراتيجيات تعليمية متطورة وملائمة للسياق المحلي؛ يمكن بناء بيئة تعليمية تُعزز رفاهية الطلبة وتجعل التعليم منطلقًا حقيقيًا للنمو والتطور. لذا، فإن التعاون بين كافة أطراف المجتمع التعليمي من معلمين وإداريين، والمجتمع عامة يمثل ضرورة قصوى لضمان استمرار التعليم كمحرك رئيسي للتقدم.