صالح الشادي
منذ انبثاق فجر المملكة العربية السعودية، وهي تحمل في جوهر رسالتها مبدأين متلازمين يشكلان نبراساً لسياستها ونهجها: العطاء السخي الذي لا يعرف الحدود، والصبر الحكيم الذي لا يعرف العجلة. هاتان السمتان ليستا مجرد سياسات ظرفية، بل هما انعكاس لروح أصيلة ووعي عميق بمسؤوليات المكان والزمان.
لطالما كان العطاء سجية تتخلل كيان الدولة السعودية، يتدفق كالنهر من منبع إيمان وإنسانية. فمنذ التأسيس، أولت المملكة خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن اهتماماً يفوق الوصف، جاعلة من تأمين وراحة الحجاج والمعتمرين شرفاً لا ينافسها عليه منافس، حيث حوّلت رحلة الحج إلى نموذج عالمي في التنظيم والإنسانية.
لم يقتصر عطاؤها على الديار المقدسة، بل امتد كالشمس لكل بقعة يحتاج فيها الإنسان للعون. فبين يدَيِ العالم، قدّمت المملكة عبر عقودٍ سجلاً حافلاً بالعطاء الإنساني والتنموي الذي لم يستثن قارة أو شعباً. لقد سخّرت مواردها لبناء المستشفيات والمدارس والمساكن، ولإنقاذ الملهوف من ويلات المجاعات والكوارث والأمراض، معتمدة في ذلك على معيارٍ واحدٍ ثابت: الاحتياج الإنساني المحض. ولم تكن مساعداتها صكوكاً سياسية، بل كانت يدا بيضاء نقية، تهدف إلى إعادة البسمة وتمكين الإنسان أينما كان.
في المقابل، تميزت الحكمة السعودية بفضيلة الصبر الاستراتيجي، الذي يشبه الشجرة العميقة الجذور، لا تهزها العواصف العابرة، ففي تعاملها مع تعقيدات الساحة الإقليمية والدولية، اختارت المملكة منهج التروي والتأني، مقدمة لغة الحوار على الصراع، وساعية للجمع لا للتفريق، وللبناء لا للهدم. وكان هَدْيُها في ذلك هو النظر إلى المصالح العليا للأمة، والتطلع إلى المستقبل الواسع، لا الانجرار وراء ردود الأفعال الآنية.
هذا الصبر لم يكن يوماً عنوان ضعف، بل كان عنوان قوة ذاتية وثقة بالنفس وبالمبدأ. لقد تجلّى في التحلي بسعة الصدر، والتمسك بخيار المصالحة، والسعي الدؤوب لتهدئة الأجواء، حتى مع من يختلفون معها، وهو صبر نابع من يقين راسخ بأن الحكمة والكلمة الطيبة أبلغ أثراً في المدى البعيد.
غير أن هذا الصبر العظيم له حدود، تحددها المبادئ الثابتة والكرامة الوطنية والدفاع عن الحق، فالمملكة التي تعطي بلا حساب وتصبر بلا ملل، لا يمكن أن تسكت أمام الخيانة أو المساس بثوابتها أو تهديد أمنها القومي أو استقرار أشقائها. فحين يُستنفد الحوار، ويُخترق الخط الأحمر، وتصبح المواقف نوايا وأفعالاً تهدد المصلحة العليا، تتحول المملكة من مرحلة الصبر إلى مرحلة القرار الحاسم المدروس.
وهذه القرارات المصيرية ليست طارئة ولا اندفاعية، بل هي محصلة طبيعية لصبر طويل، وقراءة دقيقة للمشهد، وتقدير حكيم للمخاطر. إنها قرارات تُتخذ لدفع ضرر أكبر، ولحماية مكتسبات الأمة، ولإعادة البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، وهي تعبير عن نفس القوة التي تبني وتعمر، ولكنها عندما تُضطر، تدافع وتحمي بحكمة لا تقل عن حكمة العطاء.
إن مسيرة المملكة العربية السعودية تُظهر توازناً فذاً بين قلبٍ يعطي وعقلٍ يصبر، بين يدٍ تبني وإرادةٍ تحمي. هذا التوازن هو سرّ ثباتها ونموها وتأثيرها، فهي بقدر ما هي راسخة في عطائها للإنسانية كلها، هي راسخة في دفاعها عن حقها وكرامتها ومبادئها.
العطاء السعودي نبع لا ينضب، والصبر السعودي شجرة لا تميل، وعندما تلتقي الرحمة بالحكمة، والقوة بالحلم، تخرج أمة تعرف متى تعطي بلا حدود، ومتى تصبر بلا ضجر، ومتى تقف وقفةَ الحق الواثق. وهذا هو بالضبط الوعي السعودي الأصيل: وعي يعرف وزن الكلمة، ووقت العطاء، ولحظة القرار، سائراً على درب المؤسس، ومستلهماً رؤية القيادة الحكيمة نحو مستقبل يليق بهذه الأمة ومكانتها.