د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
مبارك شيخنا العلامة محمد بن ناصر العبودي في حياته وبعد وفاته، فهذه أعماله يتوالى نشرها، ينشرها ابنه البار الأستاذ طارق العبودي، وهذا معجم من أهم المعاجم خصصه الشيخ بالإنسان وصفاته، وهو مستفاد بكيفية ما من جملة معاجمه الأخرى ومن أهمها (معجم الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة أو ما فعلته القرون بالعربية في مهدها)، فتجده في معجم الإنسان ربما سعى لتأصيل اللفظ برده إلى معاجم العربية التراثية، مثال ذلك ما جاء في مدخل أ/ث/م في ص16 قولان أحدهما للفراء وآخر لأبي الطيب اللغوي، والشيخ رحمه الله من قوم يرون اللغات المحكيّة، أي اللهجات، منشعبة من اللغة العربية الفصحى، قال «وقد نشأت عن اللغة الفصحى، أو عن بعض نواحٍ من مناحيها لغة عامية هي في الحقيقة سليلة الفصحى، وهي امتداد لها، قد عَدت عليها عوادي الزمن وتعاورتها السنون، حتى صار بعض معانيها التي لم تسجل ولم تبحث من قبل من قبيل الأحاجي والظنون عند من لا يعرفها من خارج بلادنا. أما نحن الذين نحن أهلها، ويرجع أصلنا إلى أصلها، فإننا نعرف فيها ما لا يعرفون، ونقول غير ما يقول أولئك الجاهلون بما عليه الأولون».
وقد أحسّ الشيخ تباعد الناس عن اللغات المحكية حتى احتاجت إلى الجمع والتفسير، قال «وقد بقيت جمهرة اللغة المحكية دون تفسير أو تأويل، حتى لبعض المحدثين من بنينا وبناتنا من الذين عاشوا في بلادنا، بعد أن تحولت بها الأحوال وأصابها من المآل وتغير الأفعال زلزال بعد زلزال، أنساها ما كان يعرفه عنها حتى الآباء الأقربون. وتخيلت أنه إذا مضت سنون من السنين انقطعت الصلة القوية بين فهم كلمات تلك اللغة المحكية ومعرفة معانيها، أو صار بعضها ظنًّا من الظنون التي لا تغني عن اليقين».
وانطلاقًا من إحساسه المسؤولية ندب نفسه لهذه القضية، قال «لذلك نذرت نفسي وندبت قلمي وحسي، لتسجيل بعض تلك الألفاظ التي كانت موجودة في بلادنا، وعلى ألسنة آبائنا وأجدادنا، لقرون سبقتها قرون فبوبتها في معاجم، وسجلت بعضها في موسوعات صغيرة يعرفها من اطلع على ثبت مؤلفاتي، وقد اعترف بها لداتي وطلبوا مني أن أستمر فيما أنا عليه؛ لأنهم لاحظوا أن الكلمات التي يعرفونها، وبعض الجمل التي يقولونها لا يعرفها النشء الجديد عندهم، ولا يدري معناها، ولا ما يرمي إليه قائلوها، فكانوا يحتاجون إلى من يشرحها لهم، كما يفعل من يترجم بعض كلمات لغة إلى لغة أخرى، أو ما هو قريب من ذلك».
وتحقيقًا لهذا الغرض كتب موسوعات لغوية موسعة، مثل ( معجم الألفاظ العامية) الذي ما يزال مخطوطًا في 29 مجلدًا، وسماه المعجم الكبير، ومثل (معجم الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة) الذي طبع في ثلاثة عشر مجلدًا. ومعجم (كلمات قضت) وهو يسجل الكلمات التي انقرضت أو كادت من لغتنا المحكية. كما ألف عدة كتب تفسر كثيرًا من الألفاظ العامية، مثل (الأمثال العامية في نجد) الذي وضع في آخره قائمة بل قوائم من الكلمات اللغوية هي أول معجم يؤلف بالعامية لذلك الغرض.
وأنجز الشيخ جملة من المعجمات المتخصصة، منها (معجم الإنسان وأخلاقه وصفاته)، واعتذر الشيخ لإمكان وقوع بعض السهو أو الغلط.
وقول الشيخ صحيح فهذا المعجم كثرت أخطاؤه الطباعية، وكذلك فاته بعض المداخل مثل (بخق) وأوردها السعيّد في (معجم اللهجة العامية في المذنب)، و(برض) فاتت العبودي والسعيّد، يقال برض الشيء أي أكله، (بسق) أي فسق، و(بقر) ذكره وأهمل معنى الشق وأورده السعيّد، ويقال بقعر بخصمه أي فضحه، لم يرد عنده وورد عند السعيد، و(بعص) يقال انبعص أي رجع عن وعده، و(بعط) أي شق فاتت الشيخ وأوردها السعيّد، وأما مدخل (ب ر ص ص) فأورد فيه (برصيص) وفسره بأنه النمّام، والذي سمعته (بريسيس) أي عارف بدقائق الأمور، ولكن هذه الملحوظات يسيرة إلى جانب جهد الشيخ رحمه الله.
نشر هذا المعجم الأستاذ طارق بن محمد بن ناصر العبودي، وجاءت طبعته الأولى في 1447ه/ 2025م، في 762 صفحة.