أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
حدَّثنا (ذو القُروح) في المساق السابق عن كثرة المتحدِّثين اليوم عن عوالم الغيب، والعجائب، وأسرار الإنسان، والكون. ولا سيما من فئة الشباب، مع تصدُّر النِّساء في هذا المضمار، على نحوٍ لافت، وغير مسبوق. وأشار إلى أنَّ الظاهرة ليست بجديدة، لكنَّ التقنية اليوم تبرزها وتروِّج لها. وهي تمثِّل تأرجح الذِّهن بين اليقين المطلق والشَّكِّ المطلق، وكلاهما مرض ثقافي. وأضاف:
ـ نحن هنا لا نقصد بالضرورة تلك البثوث المتعلِّقة بالتبشير، أو التنفير، أو التشكيك، أو السياسة، أو نحوها من خطابات الصراع الفكري والدِّيني، ذات المآرب الواضحة؛ دعوةً للناس للاصطفاف في صفٍّ معين، ومناصبة صفٍّ آخَر العداء. بل إنَّ بعضها تبدو خطابات بريئة، سِوَى ممَّا قد تكتنفها من الرغبات في الإثارة والشهرة.
ـ في السبعينيَّات كان (مصطفى محمود) نجم الشاشة الأوحد في هذا الفيلم المتعلِّق بـ«العِلم والإيمان».
- نعم. في محاولة لتحقيق مقولة (ألبرت أينشتاين Einstein): «Science without religion is lame, religion without science is blind»: «العِلم مُعاق بغير الدِّين، والدِّين أعمَى بغير العِلم». ثمَّ قفز علينا بعد عقدين، ممَّن قفزوا، (محمَّد شحرور)، وإنْ في نجوميَّةٍ من وجهٍ آخَر، تدَّعِي فهم ما لم يُفهم، وقول ما لم يُقَل، وتصدير قراءة إسلامويَّة هندسيَّة خاصَّة، مختلفة عمَّا قيل في الأوَّلين والآخِرين، بدءًا بصاحب الرسالة نفسه! في محاولةٍ لإعادة تعليب إسلام مبتكر، مفصَّل وفق مقاسات الهوى الجديدة، ومهما كلَّف الأمر من تعسُّف عجيب في اللُّغة، وقراءة النصوص، وفهم السِّير والسُّنن.
ـ غير أنَّ هذه الظواهر كانت، قبل وسائل التواصل الراهنة، تظهر في أزياء فكريَّة ذات مستوى قابل للتأمُّل، بخلاف ما نشهده اليوم، من كثرة المتعاطين لتلك الخطابات الرغبويَّة، التي تسعى جاهدة لجمع الماء والنار، والغيب والشهادة، والعِلم والشعوذة في أوعيةٍ مستطرقةٍ واحدة.
ـ ولو تأمَّلتَ في تلك السيرورة لظهور تلك النباتات، خلال القرن العشرين وهذا القرن، للاحظت أنها تظهر غالبًا بعد هزائم، أو أزمات طاحنة، أو حالات من اليأس والشتات، أو نشوب أسئلة وجوديَّة، وحضاريَّة، وتاريخيَّة مزلزلة. كأنَّ تلك الخطابات تأتي كمواد مخدِّرة، أو مسكِّنة، يروِّج لها فئام من الناس، بوعيٍ أو بغير وعي. ولذا فإنَّه ما أن تنتهي أسبابها، حتى تغدو جُفاءً لا يمكث في الأرض، غير مخلِّفة عِلمًا يُعتدُّ به، ولا فِكرًا ينفع الناس عبر الأجيال.
ـ وما أشبه اللَّيلة بالبارحة!
ـ غير أنَّ اللَّيلة قد تعدَّدت فيها القنوات التي يتدفَّق من خلالها هذا الطُّوفان من الأعمال، على حين كانت البارحة لا تجد سبيلًا إلَّا من خلال القنوات الرسميَّة، خاضعةً لرقابةٍ شديدة، ومراجعةٍ ونقدٍ ثقافيٍّ واسعَين؛ إذ لم يكن الخَرق قد اتَّسع على الراقع اتِّساعه الآن.
ـ لا ريب أنَّ للإنسان حُرِّيَّة الاجتهاد، والتفكير، والتعبير.
ـ صحيح، وهذا حقٌّ إنسانيٌّ، مكفولٌ إنسانيًّا، وينبغي أن يظل كذلك، مهما وقع الاختلاف. بَيْدَ أن المُضِرَّ بالسَّويَّة العِلميَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة هو أن يصبح الاجتهاد والتفكير والتعبير في شؤون الأديان والغيبيَّات من جهة، وفي شؤون اللُّغة والعلوم الطبيعيَّة من جهة، على أيدي غير مؤهَّلين، لا في هذا ولا في ذاك ولا في ذلك! عبر رسائل موجَّهة إلى جماهير غير محصَّنة، تغلب عليها السذاجة، والرغبويَّة، والعقليَّات الخرافيَّة العريقة؛ فإذا هي تُتخطَّف كلَّ يومٍ بدعوى، يومًا بالجهاد المفضي إلى الإرهاب، ويومًا بالعِلم المفضي إلى الجهل، ويومًا بالتفسير المفضي إلى التعمية وضروب الشعوذة، ويومًا بالإيمان المفضي إلى الكُفر... وهكذا في أعاصير عاتية، لم تجد بعد ما يلجمها، من تعليمٍ رصين، أو إعلامٍ مسؤول، أو وعيٍ حضاريٍّ مكين.
ـ وعلى الضِّفَّة المقابلة تنشط كذلك حروب الأديان والطوائف المتطاحنة! كأنْ يأتيك أحد القمامصة ليتظاهر بالمقدرة على تفكيك الخطاب الدِّيني الإسلامي، مثلًا، مردِّدًا أنَّه قد اكتشف أشياء كثيرة إنَّما جاءت من عنديَّات (محمَّد)، وأنه كان ينبغي لمن كان نبيًّا أن لا ترد على لسانه، ومنها كلمة «نكاح»، على سبيل المثال. واعيباه، وواسواد عمامتاه!
ـ مهما يكن من جدال، فإنَّما تلك لغة العَرَب، التي يجهلها جناب القمُّص جهلًا عارمًا، وليست بلغة (محمَّد بن عبدالله بن عبدالمطَّلب، عليه الصلاة والسلام). والكلمة المشار إليها لا تحمل بالضرورة- لا لدَى النبي ولا لدَى العَرَب- ذلك المعنى الجنسي الذي يستشعره القمُّص فيتظاهر بالرهبانيَّة والاستحياء منه، اللهم إلَّا بحسب السياق المستعملة فيه. ولو أنَّ اللغة عمومًا أُخذت بذاك المأخذ الدلالي، إذن لامتنع استعمال جانب كبير من اللُّغة؛ لأنَّه لا يعدم أن تحمل ألفاظ كثيرة منها بعض إيحاءات جنسيَّة، أو غير جنسيَّة، بحسب تفكير القائل أو فهم المتلقِّي. والأمثلة على ذلك بلا حصر. من حيث إنَّ لكلِّ مفردةٍ لغويَّة، وَفق (توشيهيكو إيزوتسو)(1)، معنيَين (أساسيًّا) و(علاقيًّا). أو قل: (معجميًّا) و(سياقيًّا). على أنَّ اصطلاح (أساسي أو معجمي) هنا إنَّما هو اصطلاحٌ مبدئيٌّ نِسبيٌّ، لضرورة النظر المنهاجي؛ وإلَّا فإنَّ كلَّ كلمةٍ لُغويَّةٍ ذات معانٍ علاقيَّة سياقيَّة بالضرورة، تتلوَّن بها، حسب تاريخها التداولي في المجتمع. ومن ثَمَّ فإنَّ مادة لغويَّة كـ(نَكَحَ) في كلام العَرَب قد استُعملت بمعنى «تَزَوَّجَ»، سواء تعلَّق الأمر بالرَّجُل أو بالمرأة. كما وردت في «القرآن» في مثل الآية «وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ، وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا». ووردت شواهد هذا من الشِّعر العَرَبي، جاهليِّة وإسلاميِّة، في مواضع كثيرة. منها- على سبيل الشاهد- قول (النابغة الذبياني):
وهم قتلوا الطائيَّ بالحجر عنوةً
أبا جابر واستنكحوا أم جابرِ
وقال (حسَّان بن ثابت):
وإذ حُباشَةُ أُمٌّ لا تُسَرُّ بِها
لا ناكِحٌ في الذُّرَى زَوجًا ولَم تَئِمِ
وقال (العَرجي):
أَيا قَلبُ لا تَكلَفْ؛ فلَيلَى مَزارُها
بَعِيدٌ ولَيلَى ناكِحٌ غَيرُ أَيِّمِ
وقال (الكُميت الأسدي):
ولا شَجِيجٌ أقَامَ في دِمنَةِ الـ
ـمَنزِلِ لا نَاكِحٌ ولا عَزَبُ
وقال (أبو العلاء المَعَرِّي):
وكَمْ أَوْلَدَ المَلِكُ المُستَباةَ
وكَمْ نَكَحَ العَبدُ بِنتَ المَلِك
وقال (المتنبِّي):
لِلسَّبيِ ما نَكَحوا، والقَتلِ ما وَلَدوا،
والنَّهبِ ما جَمَعوا، والنَّارِ ما زَرَعوا
ويقال: «تَناكَحوا تَكثروا»، أي تزاوجوا. و«فلانة ناكح في بني فلانٍ»، أي متزوِّجة فيهم. ونَكَحَ فلان امرأَةً يَنْكِحُها نِكاحًا، إذا تَزوَّجها. ونَكَحَها يَنْكِحُها: باضَعها أَيضًا. وقال (الأَعشى) في نَكَحَ بمعنى تزوَّج:
ولا تَقْرَبَنَّ جارةً، إِنَّ سِرَّها
عليك حَرامٌ، فانْكِحَنْ أَو تَأَبَّدا
قال (الأَزهري): وقوله عزَّ وجلَّ: «الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ»، تأْويله لا يتزوَّج الزَّاني إِلا زانية، وكذلك الزانية لا يتزوَّجها إِلَّا زان. وقد قال قومٌ: معنى النِّكاح ههنا الوَطء. قال: وهذا القول يَبعُد لأَنَّه لا يُعرَف شيء من ذكر النِّكاح في كتاب الله تعالى إِلَّا على معنى التزويج. قال الله تعالى: «وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ»؛ فهذا تزويج لا شكَّ فيه. وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ». واعلم أَنَّ عقد التزويج يسمى النِّكاح. قال (الجوهري): النِّكاح الوطء، وقد يكون العَقْدَ؛ تقول: نَكَحْتُها، ونَكَحَتْ هي، أَي تزوَّجت. وفي حديث (معاوية): «لستُ بنُكَحٍ طُلَقَةٍ»، أَي كثير التزوُّج والطَّلاق. وأَنْكَحَه المرأَةَ: زوَّجَه إِيَّاها. وأَنْكَحَها: زوَّجَها. وكان الرَّجُل في الجاهليَّة يأتي الحيَّ من العَرَب خاطبًا، فيقوم في ناديهم فيقول: «خِطْبٌ»، أَي جئت خاطبًا، فيُقال له: «نِكْحٌ»، أَي قد أَنكحناك. قال (الجوهري): هذه كلمة كانت العَرَب تتزوَّج بها.(2)
ـ بل إنَّ كلَّ هذه الاستعمالات ما زالت معروفة عند العوامِّ في بعض لهجات الجزيرة العَرَبيَّة.
ـ لكن ما الحيلة، وقد تفرنجَ معظم العَرَب!
ـ أو تقمصصوا!
ـ التقمصص شأنٌ شائك القول به. لكن الأهم أنه لم يعُد لأكثرهم من العُروبة اللُّغويُّة غير اسمها؟!
ـ كيف؟
ـ كيف هذه تستدعي مساقًا آخَر، فإلى الأسبوع المقبل!
**__**__**__**__**__**
(1) يُنظَر: (2007)، الله والإنسان في القرآن: عِلْم دلالة الرؤية القرآنيَّة للعالم، ترجمة: هلال محمَّد الجهاد، (بيروت: المنظمة العَرَبيَّة للترجمة)، 43-50.
(2) يُنظَر: الزمخشري، أساس البلاغة؛ ابن منظور، لسان العرب، (نكح).
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملِك سعود)