د.زكية محمد العتيبي
يشعر الإنسان برغبة غامضة في مغادرة المكان المألوف بحثًا عن شيء أقل ضجيجًا، أقل مطالب، أقل أصواتًا؛ فيترك المدينة بما فيها من عمران ودفء اصطناعي وحياة رخاء، ويتجه نحو الصحراء؛ ذلك الامتداد الصامت الذي يبدو خاليًا، لكنه في الحقيقة ممتلئ بما فقده الإنسان في ازدحامه؛ بالسكون الذي يتيح له الاستماع إلى صوته الداخلي؛ فالمدينة في عصر التعقيدات أصبحت حالة دائمة الاستنفار فإيقاعها السريع، وتشابك علاقاتها، وتدفق منبهاتها لا يمنح النفس فرصة للتوقف لالتقاط الأنفاس، فالإنسان فيها يعيش محاطًا بالأصوات والوجوه والواجبات، حتى ينسى صوته الداخلي.
ومع مرور الوقت، لا يتراكم التعب في الجسد وحده، بل في الجهاز العصبي، والوعي الذي لم يُمنح لحظة فراغ حقيقية ليثمر بشكل هادئ، وهنا تظهر الصحراء بوصفها نقيضًا نفسيًا لكل ما سبق ؛ فهي مساحة منخفضة التحفيز، تقل فيها الإشارات ويبطؤ الزمن فلا شيء يطالبك بالانتباه سوى امتداد الرمل وتبدّل الضوء عند انسحاب الظل وتعاقب الليل والنهار.
هذا الفراغ الحسي فسحة يستعيد فيها الدماغ توازنه، وتتنفّس فيه النفس بعد اختناق طويل؛ لذلك لا يذهب الإنسان إلى الصحراء ليملأ ها بل ليخفّف ثقل حضوره.
في الصحراء لا يجد الإنسان ما يشتت هروبه من ذاته فلا شاشات، ولا جدران تحجب الفكر، ولا أدوار اجتماعية جاهزة. ؛ فالصمت هناك ليس غياب الصوت تماما فهو حضور للأسئلة المؤجلة الخافتة التي كانت تبتلعها المدينة بتسارعها.
العزلة في الصحراء مواجهة صافية مع الداخل قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية لإعادة ترتيب النفس.
ومن منظور أعمق عن تفسير حقيقة أنسنا بالصحراء في أيام الشتاء الباردة والربيع الهادئة وليالي الصيف الناعمة فإنّ الأنسان يحمل في اللاوعي ذاكرة قديمة لأماكن مفتوحة وبسيطة في الفضاءات الأولى التي تشكّل فيها وعيه البدائي، وتعلّم الإصغاء لصوته الداخلي؛ لهذا يشعر براحة هادئة أمام الأفق الواسع، وكأن الجسد يتذكر ما نسيه العقل.
الصحراء توقظ هذا الانتماء القديم، فتمنح الإنسان شعورًا بالبساطة التي أفسدتها التعقيدات الحديثة.
الصحراء تعيد تعريف القيمة؛ ففي المدن، تُقاس الحياة بما ننجزه ونملكه ونُظهره، أما في الصحراء، فتُقاس بما نحتمل ونصبرعليه ونصمت له ؛ فهناك، يخفّ ضجيج الأنا، ويتضاءل وهم السيطرة، ويشعر الإنسان بحجمه الحقيقي أمام اتساع لا يمكن إخضاعه، وهذا الإدراك، نفسيًا، ماهو إلا فعل تشافي.
الإنسان لايهرب إلى الصحراء في إجازات نهاية الأسبوع القصيرة لأنه يكره الحياة، بل لأنه يريد أن يسمعها من جديد؛ فالصحراء ليست فراغًا خاويا بل مرآة صادقة في مواجهة أنفسنا وتطهيرها من أثقال الرفاهية وتعقيداتها، وحين يقف الإنسان في قلبها، يكتشف أن ما كان ينقصه طوال الوقت لم يكن شيئًا يضاف… بل شيء يُترك.
** **
- أديبة وأكاديمية سعودية