د.عادل بن علي الغامدي
مذ خلق الله الإنسان على هذه الأرض وهو يستخدم صوته لفهم ما حوله والتواصل مع محيطه، لقد وهبه الله عز وجل إعجازا في عقله؛ ليتمكن من صنع لغات معقّدة مليئة بالتفاصيل مدهشة في مبانيها ومعانيها ومنطقها وطرائقها، وقد أطنب اللسانيون وعلماء اللغة في وصف هذه المباني الهائلة، وهي تختزل الإنسان بكل ما فيه وما يتصل به من ثقافات وآداب وعلوم. لقد خلقنا الله لنتحدث ونعبّر عن أنفسنا ونصل إلى غيرنا لنتعرف عليه ولنقبله ونؤثر فيه ونتأثر منه فتتكون بذلك المجتمعات وتعمر أرض الله بعباده.
لقد خلق الله في دواخلنا نوازع للحديث؛ فالإنسان مجبول على أن يتكلم وهذه القدرة تحقق له كثيرا من الفوائد؛ فهي تمكنه من تحقيق إنسانيته، فكثير من أجهزته الحيوية مهيّأة للحديث وتعطيلها مفسدة لجسمه وعقله وروحه وسبب لتسرب العلل إليه، والحديث سبب للأنس بالناس وطريق مألوف وسريع للتعرف عليهم وإقامة الروابط معهم، وهذا يوصل الإنسان إلى الإحساس بالطمأنينة والأمن ؛ فالصامت قلق خائف يتعاظم الخوف بداخله فيأكل اتزانه ويحرق هدوءه حتى ينهك نفسه بالأدواء والعلل، إن الإحزان والهموم والألم والضيق أحاسيس لا ينجو منها الإنسان في حالاته المختلفة ، وتفريغها والتعامل معها وتوجيهها ومعالجة آثارها يتطلب من الإنسان أن يتحدث مع الآخرين ؛ لتتسرب تلك الضغوطات من صوته وحديثه فتخف وطأتها عليه وتختفي آثارها من داخله ، لكنها عند الصامت سموم وحرائق تؤذي نفسه وتدّمر كيانه ، وقد أطنب المختصون النفسيون في الحديث عن فوائد هذه السبل للمحزون المهموم، وحاجته إلى الحديث لتسليته وإشغاله عن ألمه، ولعل هذا هو سبب الحث على تعزية أهل الميت في التشريع الإسلامي.
ومن فوائد الحديث أيضا أنه مدخل لا غنى عنه للمعرفة واكتساب وجهة نظر جديدة ، فالمتحدثون يتعرضون للجديد دائما ويشاركونه مع الآخرين ، وفعالية المحادثة تفرض عليهم نوعا من القبول والتسامح لمناقشة آراء الاخرين وهذا يكسب الإنسان شيئا جديدا لتعلّمه والاطلاع عليه .
كما أن الحديث والمحادثة والانخراط في مثل هذه الفعاليات يمكّن الإنسان من امتلاك نوافذ جديدة ومنطق مختلف لما اعتاد عليه، فكأنه ينظر إلى العالم وقضاياه وأسئلته وحاجاته بعيون مختلفة عن عيونه، وهذا يمدّه بقوة أكبر وأشمل في النظر والتبصّر وإدراك ما حوله، ولعل هذا يفسّر تلك الحكمة التي يتّسم بها المعتادون على مخالطة الناس والحديث معهم.
ومن فوائد الحديث والمحادثة إعادة تموضع الإنسان بفهم مختلف لنفسه وموضعه وهويته، فكثرة الانخراط في فعاليات محادثية يمنح الإنسان هوية منضبطة وحدودا طبيعية لذاته، فتلك المحادثات المختلفة تشدّه إلى نوع من المقارنات والثنائيات والتي تعيد تأسيس نظرته لنفسه ، والصامتون المنعزلون تغيب عنهم مثل هذه الرؤية ، فيفقدون المعايير ويقعون في الحيرة وفوضى موضعة الذات ، فبعض هؤلاء المنعزلين يصاب بالنرجسية ويرى نفسه وحيد عصره وبعضهم يحقّر ذاته ويبخس حقها ويطيل اللوم والتقريع .
ومن فوائد المحادثات إنشاء الخطابات العامة والرأي العام فبدون تلك الأحاديث لا تذاع الآراء ولا يتوافق الناس في أجسام خطابية كبرى ، وهذا هو الذي تؤيده حلقات النقاش والندوات الحوارية وورش العمل.
ولا ريب أن فوائد المحادثات كثيرة جدا خاصة في جوانبها النفسية والاجتماعية ؛ فالإنسان كما قلت سابقا خلق ليتحدث ويحاور ويتفاعل مع الآخرين ، فمن أين تسلل لنا الصمت ؟ هذه الطفرة السلوكية التي غزت مجتمعاتنا وأحوالنا ورغباتنا مثل قنبلة نووية حطّمت كثيرا من جدران تقاليدنا وتفاصيل حياتنا. لقد تنقل الإنسان من مجتمعات بدائية إلى مجتمعات أكثر تعقيدا في مدن ذات تفاصيل كثيرة وظل الإنسان يطارد حاجاته ويبحث عن الأسهل والأسرع والأكثر راحة في سبيل راحته وتأمين عيشه، وهذا السعي المحموم أوصلنا إلى عصر تقني جديد تمتلأ فيه حياة الإنسان بالتطبيقات ووسائل الراحة والأشكال التقنية الحديثة، إن هذا التسونامي من الخدمات الالكترونية وهذا التطور التقني المذهل في جميع مناحي حياة الإنسان أوجد إنسانا خاصا يختلف عن آبائه وأجداده، إنسانا يظن أنه وصل لجميع رغباته بأيسر الطرق وأكثرها راحة، لقد أورثه ذلك منطقا مختلفا وتصورا خاصا لوجوده وهويته. إن تغيير وجهة البوصلة وتحريك زاوية النظر في مثل هذه التصورات يحدث ولا شك زلزالا فكريا أقل آثاره فوضى شعورية وأشلاء من الحيرة والقلق ، فغياب قيم العمل وجداوه ، وتشوّش قيم العائلة واضطراب فهم الحاجات الحقيقية للعلاقات الاجتماعية، وتغوّل الذرائعية الجديدة المستندة إلى الفردانية المتسامية في الدولة الحديثة ، كل ذلك صنع إنسانا يعامل كثيرا من عناصرا مجتمعه معاملة المترف للكماليات التي لا يراها ضرورة من ضرورات الحياة، وهذه حياة جديدة ومنطق مجتمعي مختلف عن جميع ما ألفه الإنسان ا لقديم ، والنتيجة خرائط جديدة من أحاسيس الوحدة والاكتئاب المجتمعي والنفور العائلي والتوجس من الاخرين، وهذا ما يفضي بنا إلى الصمت ؛ المظهر الساكن للوجه البشري، حين يختار الإنسان أن يعطّل شفتيه وكثيرا من جهازه النطقي ويحبس صوته؛ لتتجمد الكلمات في داخله وليألف وقع صوته الداخلي فيطيل الحديث مع نفسه وتضعف مع الوقت مهاراته في الحديث مع الآخرين ، ثم لينفر من مثل هذه المواقف ويحتمي بجواله أو سماعات رأسه ليمارس هوايته في تواصل تقني زائف.
والصمت أنواع وأشكال ومقامات ؛ فهناك الصمت الشعوري عندما يقرر الإنسان الصمت حياء من التحدّث أمام الآخرين أو خوفا منهم، وهناك الصمت العقابي عندما يستخدم الإنسان الصمت احتقارا للآخرين أو زهدا في حديثهم أو هروبا منهم أو رفضا لما يقال، وهناك الصمت الفلسفي الذي يستند إلى رؤية فكرية تتملك صاحبها؛ فهو يطيل الصمت بحثا عن سلام تأمّلي أو زهدا في الحياة، وهناك الصمت الاجتماعي الذي يتصل بخلل اجتماعي ؛ نحو صمت الزوج في علاقته مع زوجته ، وصمت الأب أمام أبنائه، وهناك الصمت المرضي الذي ينشد إلى علّة مرضية.
إن الصمت وإن غدا نقصا لكمال بشري فإنه بالنسبة للصامتين حدائق غناء وعوالم رحيمة هادئة من صخب التشويش الذي يزعجه ولا يرتاح له، فهي مساحة عقلية لا تقبل إلا منطقا واحدا وصوتا مألوفا ومتوقعا ، لا لوم فيها أو تقريع ، أو كسر لنسق أو ثقافة جديدة، أنه نوع من الحوار الداخلي المحفّز للعقل التخييلي الذي يتأسس على قرار واختيار ثم يتحول بعد ذلك إلى هوية وانتماء.
وأكثر مظاهر الصمت إيلاما مهما تعددت أسبابه هي الشعور بالغربة التي تصبح ملازمة للصامت محفورة في ملامح شعوره؛ فهو يبتعد بشكل تدريجي عن الجماعة البشرية ويوطّن نفسه على الزهد في الاستماع للآخر أو التفاعل معه ، إنه مشهد يختزل كثيرا من صراع الإنسان الحديث وقلقه واضطرابه في مواجهة آلة زمنية هائلة تطحن استعداده للتقبل وتحطّم رايته البيضاء للاستسلام.