عبدالله العولقي
فتّشُ ألكسندرُ دوماس في الخزانة عنْ ملابسٍ تليقُ بمقابلةِ الجمهور لكنّ القلق المتفاقم يسيطرُ بقوّةٍ على جسدِه البدين، فالليلة هي العرض الاستهلالي لأوّلِ مسرحيّةٍ يكتبهُا في حياته (مسرحيّة هنري الثالث)، هذا العرضُ الذي قد يطيرُ به إلى سماء المجد، وربّما قدْ يخسفُ به إلى قاع الحضيض، لكنْ ماعساهُ أنْ يفعل!!، فأمُّه العجوزُ بجوارهِ تأنُّ منْ وطأةِ المرضِ الذي أعجزها عنِ السَّيْرِ وأقْعَدَها مشلولةً على الكرسي!، لقدْ كانَ ألكسندرُ دوماس متوتّراً في تلك الليلةِ الحاسمة لدرجةٍ مرعبة!، فقدْ كانَ الفقرُ مسيطراً على حياتِه ويحاصرُه منْ كلِّ حدبٍ وصوب!، فعندما بحثَ عنْ ياقةٍ يرتديها لحضورِ حفلِ المسرحِ لمْ يجدْها، وليسَ عنده من المالِ ما يكفي لشراءِ واحدةٍ جديدة، وهنا وبدونِ أيِّ تردّدٍ أخذ المقصَّ وقطع ملاءةَ السريرِ البيضاء وصنعَ له ياقةً لحضورِ الحفل!، فالمظهرُ لا يهمُّه كثيراً، فلطالما كانَ يُقابلُ الناسَ وهو أشعثَ أغبرَ المنظر!، وفي هذه اللحظة المهمّة في حياتهِ ودّع ألكسندر والدتَه المريضة وقبّلها على جبينِها وطمْأنها أنّه سيعودُ سريعاً ولنْ يتأخر عنْها أبداً!!.
خرجَ ألكسندرُ منْ بيته مُسْرعاً يُسابقُ الريحَ نحوَ المسرح، وما أنْ وصلَ إلى صالةِ العرضِ إلّا وهو يلهثُ بشدّةٍ وكأنّه يستعدُّ للموت!، كانَ الناسُ يشاهدونَ منظره وهمْ في غايةِ العجب والغرابة!، أمِنَ المعقول أنْ يكونَ هذا السيّد المختلّ هو كاتبُ المسرحيّة؟!، فقدْ تعوّد الفرنسيّون منْ كُتّابهم أنْ يكونوا في غايةِ الأناقةِ والإحترام!، فكيف يكون هذا الشخص الذي يُشبه المَجانين والمتسكّعين في هنْدامهِ وشكلهِ وطريقةِ كلامه هو كاتب مسرحيّة اليوم؟!، لكنّهم رغم ذلك جلسوا على مقاعدهم علّهم يجدوا شيئاً من المتعةِ والفنِّ المسرحي، وبالفعل هذا ما قد حدثّ!، فقد كانوا في غاية الدهشة والإعجاب من روعةِ القصة وتفاعل الأحداث وصدمة الإثارة، فما كان منهم إلّا أنْ ملأوا القاعة ضجيجاً بتصفيقهم الحارّ!، لقدْ أدهشهم ألكسندر دوماس بموهبته الخارقة!، وكان ذلك مؤشّراً لميلادِ كاتبٍ مبدعٍ من الطرازِ الأوّل!، وفي فترةِ الاستراحةِ انطلقَ ألكسندرُ دوماس مثلَ الريحِ نحو منزلِ والدته كي يَطْمئِنَّ عليها، وهناك أدخلَ السرورَ على قلبِها حينَ طمْأنَها بأنّ الفصلَ الأوّل قدْ نجحَ وأنّ دويّ التصفيق قدْ ملأَ قاعةَ المسرح!، وهنا ابتهجتْ والدتُه العجوز وطلبتْ منْه أنْ يعودَ للمسرحِ فوراً، وحينها انطلقَ ألكسندرُ بأقصى سرعته مرةً أخرى نحو الصالة حتّى يدركَ الفصلَ الثاني!، وهكذا ظلّ يتفقّدُ والدتَه المريضة بينَ فصولِ المسرحيّة بهذه الصورةِ العجيبة!، لقدْ كانَ بارّاً ورحيماً بأمّهِ حتّى درجةِ الهوس!، وهكذا كانَ سلوكُه في أيّ شيء، سلوكٌ مرعبٌ غريبٌ يقتربُ من حافة الجنون!!.
وبعدَ انتهاءِ عرضِ المسرحيّة احتفلتْ باريسُ عاصمة الفنّ والأدبِ بهذا النجاحِ الكبير، وصفّق الفرنسيّون كثيراً لهذه الموهبة الصاعدة إعجاباً واحتراماً!، فقدْ تلقّى ألكسندر دوماس في تلك الليلةِ الباذخة التهنئات من كبارِ أدباء فرنسا ومثقّفيها ورجال الدولة، وبدأت الساحة الثقافيّة في باريس تستعدُّ لقدومِ كاتبٍ عظيمٍ من العيارِ الثقيل، فوضعت الصحفُ الفرنسيّة حينها صورته في الصفحات الأولى، وتنافسَ النقادُ في تناول أعماله ومسرحيّاته حتى أصبحَ دوماس حديث النّاسِ في مجالسهم وصوالينهم الأدبيّة!، لقدْ بدأت الحياةُ تبتسمُ أخيراً لهذا الفقيرِ البائس!..
وشرعت دورُ النشرِ والصحفِ تتهافت للتعاقدِ مع كاتبِ باريس الأوّل، وبدأ حالُه يتبدّلُ منْ أصقاعِ الفقرِ إلى فُحْشِ الثراء!، وهنا وقَعَ الكاتبُ الكبيرُ في فخِّ ما يُسمّيه علماءُ النفسِ حديثً عهدٍ بنعْمة، فلمْ يُحْسِنُ التعاملَ مع هذه الثروةِ التي وقعتْ بين يديهِ فجأة!، فأسرفَ في سلوكيّات الاستعراض المتعالي بأمواله، لقد اشترى قصراً منيفاً في ضواحي باريس وشرعَ يقيمُ الحفلات الباذخة، كما أسرفَ في تقديمِ الهدايا الثمينة والمجوهرات النفيسة لضيوفِه حتّى أصبحَ مضرب المثل في الإسرافِ والكرم!،
لكنْ ما يهمُّنا في سيرته الشخصيّة ما يتعلّقُ بقيمته الأدبيّة في الثقافة العالميّة، ففي الحقيقة أنّ ألكسندر دوماس لمْ يكنْ كاتباً عاديّاً، فهو مُؤسّس أدبَ المغامراتِ في الأدبِ العالميِّ الحديث، فقدْ كانَ مُخلصاً للكتابة حتّى درجةِ الجنونِ والغرابة!، فبمُجرّدِ أنْ يغمسَ ريشته في المحبرة فقدْ دخل في حالةٍ تُشبه الغيبوبة وحينها ينسي نفسَه تماماً!، لقدْ كانَ ينغمسُ مع شخصيّاته ويتحدّثُ معهم وكأنّهم أحياءَ أمامه!، فكانَ يخرجُ منْ واقع حياته ليعيشَ في أحداث وتفاصيل روايته بصورةٍ مُتخيّلة عجيبة جداً!، بلْ إنّ أصدقاءَه عندما كانوا يزورونه في منزله لمْ يكنْ يهتمُّ بوجودهم على الإطلاق!، بلْ كانَ يكتفي برفع يده اليسرى للسلام عليهم في الوقت التي كانت يُمْناه تكتبُ على الورق بنهمٍ شديد!!، فلَكَمْ زاره العديدُ من الصحفيّين والمُعْجَبين وخرجوا منْ عندِه وهو لا يدري عنْهم شيئاً!، فهو غارقٌ في صناعة الإبداع!، ومنشغلٌ في تجويدِ أسلوبه ومنهمكٌ في تشويق الحبكة الدراميّة!، فلَكَمْ كانَ يُكلّمُ نفسه مثلَ المجنونِ أثناءَ ممارسةِ الكتابةِ، ويضحكُ معَ أبطالهِ إذا تعرّضوا للمواقفِ الكوميديّة، ويبكي بينهم أثناء تعرّضهم للمآسي والمواقفِ الحزينة!، وعندما كانَ يجلسُ مع رفاقه وأصدقائهِ يزعجهم بالحديثِ عنْ أبطاله وشخصيّات رواياته فيتحدّثُ عنْهم وكأنّهم أحياءُ حقيقيّون!!،
لقد كان يحترمُ مهنة الكتابة لدرجةٍ لا تكادُ تُصدّق!، فكان يكتبُ في كافةِ فنون الأدب، الشعر والمسرح والرواية والمقالة الصحفية، فيعدُّ الاقلامَ على مكتبه بصورةٍ مُنسّقةٍ ثمّ يُرتّبها بطريقةٍ أنيقةٍ تُلفتُ الأنظار!، ويحكي العديدُ من الصحفييّن والزوّار عنْ مدى انبهارهم منْ كميّة الأقلام والأوراق والقُصَاصات التي تملأ مكتبه وزوايا بيته!، فكان يُخصّصُ الورقَ الأزرق للقصص والروايات، أمّا الشعر والقصائد فلا يكتبها إلّا على الورق الأصفر، وبالنسبة لمقالات الصحف فكان يدوّنها على الورق الوردي!، هكذا كانت طقوسُ الكاتبِ الفرنسيِّ الكبير أثناء ممارسته لعشقه الكتابة!، ويعتبرها مهنةً عظيمةً تستحقُّ الإجلال والإحترام.
لقدْ كانَ ألكسندرُ دوماس مالئَ الدنيا وشاغل الفرنسييّن في زمانه!، فلا تخلو الصحف والمجلّات بالكتابة عنه، إمّا مدحاً لفنه وإبداعه أو تنمّراً على بدانته المفرطة وملامحه الأفريقيّة التي ورثها عنْ جدّته الزنجيّة، فكان رسّاموا الكاريكاتير يرسمون صورته وأمامه مائدة الطعام الكبيرة وفيها من صنوف المآكل والمشارب!، لقدْ تحدّث المؤرخون عنْ غرابةِ هذا الرجل وجنونيّاتهِ في سلوكه الغذائي الأهوج لا سيّما ما يتعلّقُ بشراهته في الأكل!، لقدْ كان يحبُّ الأكل بصورةٍ متهورةٍ وشرهةٍ جداً، ولَكَمْ حذّره الأطباءُ منْ بدانته المفرطة التي قد تقضي على حياته!، فقد كانت شهرتُه في باريس بالتهامِ الطعام لا تقلُّ عن شهرتِه في الأدب وكتابةِ الرواية!!، لقدْ كانَ في مقدورِ هذا البدين الضخم أنْ يستهلكَ في الوجبةِ الواحدةِ عدداً كبيراً من الأطعمة المختلفة المحتوية على اللحمِ والكافيارِ والأسماكِ مع ستّة أنواعٍ من الخضروات يختمُها جميعاً بكميّاتٍ كبيرةٍ من الجبن!، لقد كانت صورتُه وهو أمام سفرة الطعام تملأ صفحات الجرائد الفرنسيّة حينها ككاريكاتير كوميدي ساخر لهذا الأديب الكبير، وعلى كلِّ هذا السوءِ في الطعام إلّا أنّ له سمات جيّدة فهو لا يُدخّن التبغَ أبداً!، ولا يحتسي الخمور مثلَ رفاقهِ الكتاب في زمانه، حتّى القهوة لمْ يكنْ يشربها على الإطلاق!!.
لم تكنْ الصحافة الفرنسية تتنمر على بدانته فحسب!، بل كانوا يتنمّرون كذلك على هيئتهِ وملامحهِ الأفريقيّة، فقدْ كانَ وجهُه مزيجاً يجمعُ بين ملامحِ الأوروبييّن والأفارقة معاً، فجدته زنجيّة تزوّجها جدُّه حينما كانَ يعملُ ضابطاً في جزرِ الهندِ الأفريقيّة، وقد ورث دوماس عنْها شفاهها الغليظة وشعرها الملتفِّ الأجعد وأنفها الكبير المنبعج!، أمّا أجداده الأوروبيّون فقدْ ورثَ عنْهم بشرته البيضاء النقيّة التي تُشْبه الثلج، وعيناه الزرقاوتان مثل السماء الصافية، وشعره الكستنائي الأصفر، هكذا كانت صورة ألكسندر دوماس غريبة جداً داخل المجتمع الفرنسي، فكان شخصيّة ظريفة تجمع صور الغرابة من جميع أطرافها!!.
اشتهر دوماس برِوايتِه الخالدة (الفرسان الثلاثة)، تلك الحكاية التي أعادت صياغة مفهوم الصداقة والوفاء في الزمنِ التي ضاعتْ فيه العهود والمواثيق!، كما اشتهر بروايته الشهيرة (الكونت دي مونت كريستو) التي أراد من خلالها أنْ يدقَّ جرس خطر العنصريّة التي عانى هو شخصياً من تبعاتها!!، فعلى الرغم منْ سلالته التي تنتمي إلى طبقة النبلاء إلى أنّه عانى من التنمّرِ والتمييز العنصري بسببِ ملامحه الزنجيّة، لقدْ أفرغَ ألكسندرُ توماس كلَّ مكنوناته النفسيّة ومعاناته الشخصيّة في روايته الخالدة (الكونت دي مونت كرستو) وانتقم منْ مجتمعه حتّى اعتبرها النقادُ ردّة فعلٍ ثقافيّةٍ أدبيّةٍ لمعاناته ووالده من قبله تجاه ذلك التنمّر العنصري!!، وعلى الرغم من المكانة الأدبية الكبيرة التي استحقّها في زمنه الا إنّ التقدير الحكومي الرسمي له جاء متأخّراً بعد وفاته بأكثر منْ مائة وثلاثين عاماً!!، وتحديداً في عام 2002م عندما قرّر الرئيسُ الفرنسيُّ الراحل جاك شيراك نقلَ رفاته منْ مقبرة عائلته إلى مدافنِ البانثيون أوْ مقبرةِ العظماء كما يُسمّيها الفرنسيُّون، هناكَ حيثُ رقدَ مع زملائه كبار كتّاب فرنسا الخالدين، فدُفِنَ بين فولتير وجان جاك روسو وفيكتور هيجو واميل زولا!!، وقد اعترفَ الرئيسُ شيراك في خطابه بالعنصريّة التي كانت موجودة في فرنسا ذلك الوقت!، وقال إنّ المجيءَ بجُثْما ن ألكسندر دوماس إلى البانثيون هو ردّ اعتبار لهذه الشخصيّة الكبيرة ووسيلة رسميّة لتصحيح ذلك الخطأ!!، وهكذا انطوتْ صفحةٌ منْ أهمِّ صفحاتِ الأدبِ الفرنسيِّ على الإطلاق!، فهو أكثرُ أديبٍ تُرجِمتْ أعمالُه لجميع اللغات الحيّة، يقول الناقد الكاتب المسرحي الإنجليزي واتس فيليبس: لقد كان دوماس أكثر الناس كرماً وطيبة في العالم!، كما كان أكثرُ الناسِ حُبّا للبهجةِ والتسليةِ، وأكثر مخلوقٍ يزهو بنفسه على وجه الأرض!، أمّا عنْ قدراتهِ الأدبيّة والكتابيّة فقدْ كانَ لسانُه مثل طاحونةٍ هوائيّةٍ – لا تعرفُ متى ستتوقّفُ عن الحركة ما أنْ يتمُّ إطلاقها، خاصةً إذا كانَ الموضوعُ عنْ شخصه!!.
وعندما وصلَ إلى الشيخوخة أدركَ أنّه أخطأ كثيراً في سلوكيّاته الغذائيّة والحياتيّة، فندم على إسرافه المتهوّر في إنفاق ثروته على سهراتِ اللهوِ والمرح، فهو الآن وحيداً عن الأهلِ والأصدقاء وقدْ أثقله المرض وأقعده في غرفته، فليس له الآن أي قدرة على الكتابةِ التي جلبت له الثروة في شبابه!، لقدْ عاشَ ألكسندر دوماس آخر عمره بين ثلاثيّةِ الفقرِ والوحدةِ والإهمال!، فاضطرّ إلى أنْ يرهنَ كتبَه وأغراضَه الشخصيّة ومعطفه حتّى يسدّدَ إيجار مسكنه!، وهكذا ظلّ في قسوةٍ من الظروف الصعبةِ حتّى وفاته عام 1870م، وبهذا انتهت حكاية أشهر روائي في تاريخ فرنسا الحديث!!.