خالد محمد الدوس
مدخل:
في عالم متغير تتصادم فيه التحولات الثقافية والتغيرات الاجتماعية..
هل تساءلنا يوماً: لماذا تتغير عاداتنا وقيمنا بهذه السرعة..؟! أو كيف تشكلنا التكنولوجيا وتعيد تعريف علاقاتنا..؟
هذه الزاوية الثقافية الأسبوعية لا تكتفي بوصف التحولات من حولنا، بل تحمل منهج «علم الاجتماع».. ليطرح الأسئلة الجوهرية عليها....
نحن هنا لنسبر أغوار الظواهر الاجتماعية والثقافية الخفية، ونحولها إلى نقاش (ثقافي اجتماعي) واضح مع أحد الخبراء والباحثين في ميدان علم الاجتماع. نحاول مقاربة هذه الاستفهامات بعيدا عن الإجابات الجاهزة..!
ضيفنا في هذه الزاوية الثقافية: أ. د. عبيد العمري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة نايف للعلوم الأمنية. نحّول العدّسة لرؤية العالم الاجتماعي كما يراه علماؤه: نظاماً معقداُ من المعاني والقوى والصراع..
طرحنا عليه بعض التساؤلات من واقع معطيات علم الاجتماع فكانت الإجابة -وكما يقول - الخبير الاجتماعي ما يلي:
لم يعد التغير الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة بطيئًا وتراكميًا كما في السابق، بل أصبح سريعًا وعابرًا للحدود، بفعل التحولات البنيوية التي أحدثتها الثورة الرقمية. فلم تقتصر آثار هذه الثورة على التكنولوجيا والاقتصاد، بل امتدت إلى القيم، والهوية، وأنماط العيش، والعلاقات الاجتماعية.
في السابق، كان التغير يرتبط بتعاقب الأجيال وانتقال القيم عبر مؤسسات التنشئة كالأُسرة والتعليم. أما اليوم، فقد دخلت المجتمعات مرحلة الحداثة المتأخرة، حيث أصبح التغير جزءًا من الحياة اليومية، وأصبحت القيم والمعايير موضع مراجعة مستمرة تحت ضغط التدفق المعرفي والتواصل الفوري، فيما يُعرف بـ الانعكاسية الاجتماعية.
كما أسهمت الثورة الرقمية في كسر قيود الزمان والمكان، فأصبحت الأفكار والأنماط الثقافية تنتقل لحظيًا وعلى نطاق عالمي.
وضمن ما يُسمّى المجتمع الشبكي، لم تعد السلطة والتأثير محصورة في مؤسسات مركزية، بل باتت موزعة عبر شبكات رقمية قادرة على إعادة تشكيل الاتجاهات والقيم بسرعة غير مسبوقة.
ومن أبرز مظاهر هذا التسارع سيولة القيم والهويات؛ إذ لم تعد القيم والالتزامات طويلة الأمد، بل أصبحت مرنة وقابلة للتغير السريع، كما لم تعد الهوية ثابتة، بل تُعاد صياغتها باستمرار، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تعيش في فضاء رقمي متعدد المرجعيات.
إلى جانب ذلك، تراجع الدور الاحتكاري للمؤسسات التقليدية في التنشئة الاجتماعية، مع صعود المنصات الرقمية بوصفها فاعلًا مؤثرًا في تشكيل القيم والسلوك، ما أدى إلى ضعف المعايير المشتركة وظهور أشكال جديدة من اللامعيارية.
وحول التوفيق بين الحفاظ على الهوية الثقافية الأصيلة ومواكبة التغيرات الحتمية في عصر الانفتاح؟
قال أصبح سؤال الهوية الثقافية أكثر إلحاحًا في عصر العولمة الرقمية، حيث لم يعد التغير احتمالًا، بل واقع بنيوي دائمًا. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التغير ذاته، بل في إدارته دون فقدان المعنى أو التماسك.
من منظور علم الاجتماع، لا تُفهم العلاقة بين الهوية والانفتاح كعلاقة تضاد، بل كعلاقة توتر خلاق يمكن تحويله إلى مصدر قوة. فالأصالة لا تعني الجمود، بل القدرة على الاستمرار عبر التكيف، إذ تعيد المجتمعات الحديثة تفسير تقاليدها باستمرار بما ينسجم مع الحاضر.
كما تُظهر المقاربات الثقافية المعاصرة أن الهوية ليست مخزونًا ثابتًا من الرموز، بل عملية إنتاج اجتماعي تتشكل تاريخيًا عبر التفاعل والخطاب. ويساعد هذا الفهم على إدراك كيف يمكن للمجتمع أن ينفتح دون أن يذوب، لأن الوعي بالذات شرط أساسي للانخراط الواثق في العالم.
وفي ظل وفرة المحتوى، لا يكمن التحدي في الوصول إلى الثقافة العالمية، بل في الاختيار النقدي، أي القدرة على فرز الوافد الثقافي واستيعابه دون تبعية. ويتحقق ذلك عبر تعليم نقدي، وإعلام واعٍ، ومؤسسات قادرة على إعادة إنتاج القيم بصيغ معاصرة.
ولا تُصان الهوية بالخطاب وحده، بل عبر مؤسسات فاعلة تحوّل القيم إلى ممارسة يومية، بحيث تصبح الهوية تجربة معيشة لا شعارًا دفاعيًا. وفي الفضاء الرقمي العالمي، تكون المجتمعات الأقدر على الاستدامة هي تلك التي تبني هوية مشروع منفتحة وواثقة، توظّف أدوات العصر لتقديم ثقافتها للعالم بدل الاكتفاء باستهلاك ثقافة الآخر.
وخلاصة القول، إن التوفيق بين الهوية والانفتاح هو عملية إدارة واعية للتغير، تقوم على وعي نقدي، وتجديد قيمي، ومؤسسات مرنة، بما يضمن الجمع بين جذور ثقافية راسخة وأفق مفتوح على العالم.
وعن التحولات الكبيرة ..هل مازالت المؤسسات الاجتماعية التقليدية قادرة على لعب دورها في التنظيم الاجتماعي؟ أم إننا نحتاج الى أشكال تنظيمية جديدة بصفتك رائد من رواد علم الاجتماع التنظيمي؟
أجاب: في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وصعود الفضاءات الشبكية، لم يعد السؤال المطروح هو نهاية المؤسسات الاجتماعية التقليدية، بل نهاية احتكارها للتنظيم الاجتماعي. فالمؤسسات كالأُسرة، والمدرسة، والمسجد، ما زالت تمثل ركيزة أساسية للتماسك الاجتماعي، لكنها لم تعد الفاعل الوحيد في ضبط السلوك وإنتاج المعنى. لأن التحولات البنيوية المعاصرة أضعفت فاعلية هذا التنظيم بصيغته التقليدية، ليس بسبب فشل المؤسسات، بل بسبب تغير البيئة الاجتماعية التي تعمل داخلها.
ويمكن تفسير هذا التراجع النسبي بثلاثة عوامل رئيسة:
أولها تآكل السلطة الرمزية للمؤسسات أمام تعدد مصادر التأثير غير المؤسسية، وثانيها بطء استجابتها مقارنة بإيقاع التغير السريع، وثالثها تعدد الانتماءات الفردية داخل شبكات متداخلة، ما أضعف قدرة مؤسسة واحدة على الضبط الشامل، وهو ما يعكس الانتقال من تنظيم اجتماعي صلب إلى تنظيم أكثر سيولة.
في المقابل، برزت أشكال تنظيمية جديدة تقوم على الشبكات والتفاعل والالتزام الطوعي، حيث تتوزع السلطة وتُصاغ القواعد عبر التفاعل المستمر، إضافة إلى صعود نمط التنظيم الخوارزمي الذي يوجّه السلوكيات بصورة غير مباشرة عبر التقنيات الرقمية.
وأخيراً.. ما دور التنظيم الاجتماعي في مواجهة التحديات المشتركة مثل التفكك الأسري والاغتراب الثقافي والبطالة.. الخ؟
يؤدي التنظيم الاجتماعي دورًا محوريًا في مواجهة التحديات المشتركة التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة، وفي مقدمتها التفكك الأسري، والاغتراب الثقافي، والبطالة، إذ لا تُعد هذه الظواهر مشكلات فردية أو عارضة، بل تعبيرات عن اختلالات بنيوية في أنماط التنظيم الاجتماعي وقدرته على ضبط العلاقات الاجتماعية، وتوزيع الأدوار، وبناء المعنى المشترك. ومن هذا المنطلق، يشكّل التنظيم الاجتماعي الإطار الأساس لتعزيز التماسك المجتمعي وتحويل الأزمات إلى فرص لإعادة البناء والاستقرار.