سليم السوطاني
يعد الأديب عبد الرحمن منيف من الأسماء المهمة في الكتابة الأدبية، بل يعد أفضل من كتب في الرواية التاريخية التي تسلط الضوء على البدايات، وتعَدُّ ذاكرة للأمكنة والأحداث التي سكنت العقل العربي في حقبة زمنية مضت، مثل: العراق، وسورية، والأردن، والسعودية، وبداية اكتشاف النفط.
لقد أجاد منيف بناء الشخصية العربية في الماضي، ووقوفه أمام متغيرات الحياة ونظرته إلى السياسة، من خلال المعطيات التي قدمها في شخصياته، وفي علاقة تلك الشخصيات بالفضاء المحيط خارج ذاته.
فقد وثّق بعض الأحداث التي حصلت، ومزج الخيال بالواقع حتى كادت الصورة أن تكون أقرب للحقيقة؛ بسبب براعته في بناء الأحداث والشخصيات.
أما أسلوبه في السرد فمُتَمَيِّزٌ حتى لا يكاد يشبهه أحد، وهو إلى جانب ذلك يطعم الحوارات بين الشخصيات بإيراد الأمثال التي كانت تُتَداوَل على ألسنة أناس ذلك الزمن، ما يوحي إلى القارئ أن الكاتب قد عاش معهم واستمع إليهم وينتمي إلى عصرهم، وهذا يعود إلى عقلية الأديب المتبصرة والحاذقة والمبدعة.
عندما نريد أن ننسب عبد الرحمن منيف إلى بلد ينتمي إليه، لا نجد في كتاباته ما يدل تحديدًا على المكان الذي ينتسب إليه، فنجد أنه عربي وكفى، وذلك من خلال تناوله، في كتاباته، أكثر من حدث دار في بلدان الوطن العربي.
وفي الحقيقة، بحسب ما كتب عنه، فإن جذوره تعود إلى المملكة العربية السعودية، وقد عاش في العراق، ثم في سورية حتى فارقته الحياة.. وقد أجاد حتى في التخفي من جهة تحديد ماهية هويته، كما برع في سبك أسلوبه البديع والغوص عميقًا داخل مكنونات الإنسان العربي في الماضي الذي يعيش على الفطرة، ويمتلئ عقله بالقلق من مصير المستقبل، ويظل متأهبًا دائمًا للمصير الأسوأ.
بعض كتاباته طغت عليها النظرة السوداوية الممتلئة بالتشاؤم، وربما يصوّر هذا الأمر الغربة الداخلية التي تطحن داخله، ولا يستطيع أن يحدد موقفه تجاه هويته والأرض التي نبت منها أصله، فظلت روحه تواقة إلى مأوى يبحث عنه ليملأ هذا الفراغ الذي عمّر قلبه، على رغم أن اللهجة الشامية نلحظها على لسانه إذا تحدث، وهذا الشيء بحكم أنه عاش طويلًا بالشام.
وبعيدًا عن أزمة الهوية؛ يظل هذا الأديب العظيم من أهم الأسماء الأدبية التي اتخذت أسلوبًا فريدًا في كتاباتها، وتركت إرثًا أدبيًا خالدًا، ولا زالت أعماله تُقرَأ ويزداد الطلب عليها.
لقد كان نتاجه الأدبي زاخرًا ومنوعًا، فوهب نفسه لمجال الكتابة، التي أرى أنه اختارها وطنًا له واستغنى عن الأرض، وربما كان هذا هو الدافع الحقيقي الذي جعل فكره متقدًا وعاطفته متوهجة في كتاباته.
الإبداع الذي يسكن داخل روح المبدع حالة خاصة؛ تحرض الباحث المتأمل على رصد حالة الأديب والإرهاصات التي كانت تملأ عقله وقلبه.. علينا أن نفتش ما وراء النصوص متأملين بعين بصيرة بيئة ونفسيات أدبائنا، الذين أتحفوا مكتبات الأدب بمؤلفاتهم النفيسة.