مهدي آل عثمان
تبذل وزارة التعليم جهوداً واضحة ومتتابعة في سبيل تعزيز انضباط العملية التعليمية، وضمان انتظام حضور الطلاب في المدارس، إدراكاً منها بأن الحضور اليومي هو الأساس الحقيقي لأي ناتج تعليمي فاعل. وقد انعكس هذا الحرص في وضع عدد من الآليات والإجراءات التنظيمية التي تهدف إلى الحد من الغياب، من خلال أنظمة المواظبة والسلوك، وإجراءات الحسم، والتسجيل الدقيق للحضور، إضافة إلى التوجيهات المستمرة التي تؤكد على أهمية الانضباط وعدم التساهل في الغياب غير المبرر.
ورغم وضوح هذه الأنظمة وتكاملها، إلا أن أثرها في الميدان لم يكن في بعض الأحيان بالمستوى المأمول. ويعود ذلك إلى طبيعة المجتمع المترابط، حيث تسود العلاقات الاجتماعية، وتكثر حالات التنازل بدافع الشفاعة أو حسن النية، وهو ما يؤدي أحياناً إلى ضعف تطبيق الإجراءات، وتحولها من أنظمة رادعة إلى توجيهات مرنة لا تحقق الغاية المرجوة.
ومع دخولنا الأيام القادمة في شهر رمضان المبارك، وهو شهر الفضيلة والانضباط الذاتي، تتجدد ملاحظة ارتفاع معدلات الغياب المدرسي، سواء بدافع الإرهاق، أو السهر، أو التساهل في تقدير أهمية اليوم الدراسي خلال هذا الشهر. وقد أعلنت وزارة التعليم، عبر وسائل التواصل الرسمية، عن إجراءات مشددة تهدف إلى الحد من الغياب خلال شهر رمضان، تأكيداً منها على أن قدسية الشهر لا تتعارض مع الالتزام بالتعليم، بل تعززه.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى أدوات تنظيمية أكثر فاعلية، لا تلغي ما هو قائم، بل تعززه وتدعمه.
ومن هنا، يمكن النظر إلى العقوبة المالية كخيار مساعد يسهم في تعزيز الانضباط المدرسي، إذا ما طُبقت ضمن إطار تربوي منضبط، وبآلية واضحة وعادلة، تستهدف حالات الغياب غير المبرر والمتكرر بعد استنفاد وسائل التنبيه والتوجيه.
فالعقوبة المالية لا تُعد غاية بحد ذاتها، بل وسيلة تنظيمية تحمل رسالة جادة مفادها أن الغياب ليس أمراً عابراً أو بلا تبعات. وفي كثير من الأحيان، يكون الأثر المالي أكثر حضوراً في وعي الأسرة من الإجراءات التقليدية، مما ينعكس إيجاباً على متابعة الطالب، خصوصاً في الفترات التي يكثر فيها الغياب، كشهر رمضان المبارك أو أخر يوم من الأسبوع الدراسي أو الأيام التي تسبق الإجازات.
ويُعزز من قبول هذا التوجه أن يتم تخصيص العائد المالي المتحصل من هذه العقوبات لصالح المدرسة والطلاب أنفسهم، بحيث يُعاد توظيفه في برامج تحفيزية وتربوية، مثل تكريم الطلاب المتميزين في الحضور، وتقديم الهدايا التشجيعية، وتنفيذ برامج تدريبية أو أنشطة تعليمية، تُرسخ قيمة الانضباط، وتحول الالتزام بالحضور إلى سلوك إيجابي مرغوب.
وفي جانب لا يقل أهمية، فإن نجاح أي إجراء تنظيمي يظل مرتبطاً بمدى المتابعة الجادة من إدارات المدارس. فالتشديد على تطبيق عمليات التدريس داخل الفصول، والحرص على جدية اليوم الدراسي، والتواجد الفعلي لإدارة المدرسة، يمثل عاملاً حاسماً في الحد من الغياب، خصوصاً في المواسم التي يكثر فيها التساهل.
إن معالجة الغياب المدرسي، لا سيما في شهر رمضان المبارك، تتطلب توازناً بين الأنظمة الواضحة، والتطبيق العادل، والمتابعة الصارمة، والتحفيز الإيجابي. وقد تكون العقوبة المالية إذا ما طبقت طوال العام الدراسي، وإذا أُحسن توظيفها وربطها بمصلحة الطالب والمدرسة، أداة مساعدة تسهم في تعزيز الانضباط، وتحقيق الاستقرار التعليمي، بما ينسجم مع حرص وزارة التعليم على استمرارية التعليم وجودته، في كل وقت وموسم.
وهذه الرسالة موجهة إلى الأسر، وأولياء الأمور، والمعلمين، بوصفهم الشركاء في بناء مستقبل أبنائنا، كما هي موجهة إلى وزارة التعليم بوصفها الجهة التنظيمية والراعية للعملية التعليمية. فالتعليم هو عماد الأمم، وبه تُقاس رفعتها ومكانتها، ولن يتحقق الطموح في إعداد جيل متعلم ومنضبط إلا بتكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمعلم، وبدعم ومتابعة جادة من الوزارة في تطبيق الأنظمة والإجراءات.
إن وعي الأسرة، وحرص ولي الأمر، والتزام المعلم، تمثل الأساس الحقيقي للانضباط المدرسي، غير أن هذا الأساس لا يكتمل أثره ما لم يُدعم بتطبيق منضبط للإجراءات التنظيمية، ومتابعة مستمرة من وزارة التعليم، تضمن جدية التنفيذ، وتحد من مظاهر التساهل في عملية الانضباط المدرسي.
وعندما تتكامل هذه الأدوار، ويُنظر إلى الانضباط المدرسي على أنه مسؤولية مشتركة، تُدار بحكمة، وتُطبق بعدالة، وتُدعم بالتحفيز والمتابعة، فإننا نؤسس لبيئة تعليمية مستقرة، ونضع أبناءنا على طريق العلم والانضباط، ونمضي بثقة نحو الارتقاء بالتعليم، ليظل ركيزة أساسية في نهضة الوطن، ووسيلته الأهم ليكون في مقدمة الأمم علمياً ووعياً ومسؤولية.