مبارك بن عوض الدوسري
يحلُّ شهر رمضان المبارك حاملاً معه نفحات الإيمان، ومواسم الطاعة، وصوراً سامية من التراحم والتكافل، حيث يفترض أن تكون المساجد وبيوت الله واحةً للسكينة والخشوع، ومكاناً تتجلى فيه أسمى معاني النظام والاحترام؛ غير أن المتأمل في واقع بعض الممارسات خلال هذا الشهر الفضيل يلحظ ملاحظات متكررة، قد تُفقد العبادة روحها، وتحوّل الخير المقصود إلى أذى غير مقصود، إن لم يُلتفت إليها بوعي ومسؤولية؛ وقد أحسنت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد حين أصدرت حزمة من التعليمات والتنظيمات الرامية إلى تهيئة المساجد وخدمة المصلين وتنظيم إفطار الصائمين، ومن أبرزها التقيد بوقت الإقامة المحدد بخمس عشرة دقيقة، مراعاةً لأحوال الناس وظروفهم؛ إلا أن بعض المساجد -للأسف- تشهد تجاوزاً لهذا التنظيم، سواء بتأخير الإقامة أو التعجل المفرط في بعض الصلوات دون اعتبار لحال المصلين؛ ففي صلاة المغرب تحديداً، يلاحظ تعنت بعض المؤذنين أو الأئمة، وكأن الأصل أن المصلين لن يحضروا إلا بعد الامتلاء والشبع، متناسين أن كثيراً من الناس يحرصون على أداء الصلاة في وقتها، وأن صلاة المغرب لا سُنة قبلية لها، فلا معنى لإطالة الانتظار أو التعقيد؛ ويزداد الأمر إشكالًا في صلاة الفجر، حين يُغفل حال المصلين في رمضان؛ فهم بين ساهر للعبادة، أو قائم للسحور، أو لم ينل قسطه الكافي من النوم، ثم يخرج بعد الصلاة مباشرة لينال قسط من النوم قبل أن يتوجه إلى عمله أو لإيصال أبنائه إلى مدارسهم؛ إن مراعاة هذه الأحوال ليست ترفاً، بل فقهٌ في العبادة، ووعيٌ بمقاصد الشريعة التي جاءت برفع الحرج والتيسير.
ومن المظاهر المؤسفة التي تتكرر في ليالي التراويح، الفوضى المرورية حول المساجد والجوامع، حيث تُوقف المركبات بشكل عشوائي، ويُغلق بعضها على بعض، بل تتجاوز إلى إغلاق الشوارع وأبواب وكراجات جيران المساجد؛ ويتضاعف الأذى حين يُحرم صاحب منزل من الخروج بمركبته، أو تُغلق عليه كراجاته، وقد تكون لديه حالة طارئة أو مريض يحتاج إلى إسعاف عاجل؛ إن هذا السلوك لا يمت للعبادة بصلة، ولا ينسجم مع أخلاق المسلم، فكيف يُرجى الأجر والخشوع مع التعدي على حقوق الآخرين وإيذائهم؟؛ كما يبرز في بعض المساجد الإفراط في استخدام البخور، بدافع التطييب وحسن النية، دون إدراكٍ لما يترتب عليه من أضرار صحية مؤكدة؛ فقد أوضحت الجهات الصحية أن التعرض المستمر للبخور قد يؤدي إلى تهيج الجهاز التنفسي، والتسبب في التهابات الرئة والحساسية، ويزيد من خطر الإصابة بالأمراض التنفسية، ولا سيما لدى مرضى الربو، وكبار السن، والأطفال، فضلاً عن تأثيره السلبي في جودة الهواء داخل المساجد؛ ومن الحكمة أن يُستخدم البخور - لمن أراد - قبل الصلاة بوقت كافٍ، وقبل حضور المصلين، أو الاكتفاء بالقدر اليسير الذي لا يسبب ضرراً أو إزعاجاً.
إن شهر رمضان مدرسة أخلاق قبل أن يكون موسم عبادات، والخشوع لا يكتمل مع إيذاء الناس، ولا تُرجى البركة مع الفوضى والتعدي؛ والمسؤولية هنا مشتركة؛ بين إمامٍ يراعي حال مصلّيه، ومؤذنٍ يلتزم بالتعليمات، ومصلٍّ يستحضر أن حق الجار، وحق الطريق، وحق النفس، كلّها من صميم الدين؛ فلتكن مساجدنا في رمضان عنواناً للسكينة، ونموذجاً للرقي، ومظهراً عملياً لقيم هذا الشهر العظيم، حتى تؤدى العبادة كما أرادها الله: طمأنينةً، وخشوعاً، ورحمةً بالناس جميعاً.