د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
جعل الإسلام الأسرة نواة المجتمع، وأساس الاستقرار، ومحل السكن والمودة والرحمة، ولم يكن اهتمام الشريعة بالأسرة اهتمامًا نظريًا، بل عناية عملية أحاطتها بالأحكام، وحفظتها بالحقوق، وصانتها من كل ما يهدد بنيانها أو يزعزع مقاصدها. قال الله تعالى: (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا)، فجعل السكن مقصدًا، لا مجرد اجتماعٍ جسدي، بل طمأنينةً واستقرارًا.
غير أن أخطر ما تواجهه الأسرة اليوم ليس الهجوم المباشر عليها، بل تقويضها من الداخل؛ حين يُفرَّغ مفهوم الأسرة من مضمونه الشرعي، وتُضرب أدوارها التربوية، ويُعاد تعريف العلاقة بين الوالدين والأبناء بمعايير مستوردة لا تراعي فطرة ولا شرعًا.
يبدأ هذا التقويض حين تُنزَع المرجعية من الوالدين، ويُقدَّم التمرّد بوصفه وعيًا، والعقوق استقلالًا، والانفلات حقًا شخصيًا لا يُسأل عنه أحد، فينشأ جيل يرى النصيحة تدخلًا، والتوجيه تسلطًا، والطاعة ضعفًا، مع أن الشريعة جعلت بر الوالدين من أعظم القربات، وقرنته بتوحيد الله -جل وعلا-.
وقد جاءت الشريعة بسد كل ذريعة تؤدي إلى تفكك الأسرة؛ فأمرت بالإصلاح عند النزاع، وقدّمت الصبر، وجعلت الطلاق آخر الحلول، لا أولها، حمايةً للبيت من الانهيار السريع. قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا)، فشرع التحكيم قبل الهدم، والعلاج قبل القطيعة.
وانطلاقًا من هذا المنهج الشرعي، أكد نظام الحكم في المملكة العربية السعودية هذا المعنى تأكيدًا صريحًا، فنص في المادة التاسعة على أن: «الأسرة هي نواة المجتمع السعودي، ويُربَّى أفرادها على أساس العقيدة الإسلامية، وما تقتضيه من الولاء والطاعة، واحترام النظام، وتنمية روح الاعتزاز بالانتماء للوطن»، فجعل حماية الأسرة التزامًا شرعيًا ونظاميًا، لا خيارًا ثقافيًا متغيرًا.
ومن هنا يتبيّن أن أي خطاب يُضعف الأسرة، أو يهوّن من شأن الزواج، أو يسخر من الاستقرار، أو يشيطن الأبوة والأمومة، أو يزرع الشك بين أفراد البيت، هو خطاب يصادم مقاصد الشريعة، ويخالف النظام، ويقوّض المجتمع من داخله وإن تلحف بشعارات براقة.
كما لا يمكن إغفال دور الإعلام في هذا السياق؛ إذ أكّد وزير الإعلام مؤخرًا أن حماية الأبناء في الفضاء الرقمي تبدأ من الأسرة، داعيًا إلى مراقبة ما يتعرّض له الأطفال عبر الإنترنت، وتفعيل الرقابة الأبوية، والالتزام بالتصنيفات العمرية المعتمدة؛ صونًا للقيم وحمايةً للنشء.
إن تقويض الأسرة لا يبدأ بالهدم الظاهر، بل بتغيير المفاهيم، وتشويه القيم، وإضعاف المرجعيات، حتى يصبح البيت بلا قيادة، والتربية بلا اتجاه، والحوار بلا ضوابط. وحينها لا يكون الانهيار مفاجئًا، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من التفريغ والتشكيك.
وحماية الأسرة اليوم ليست خطابًا عاطفيًا، بل واجب شرعي، ومسؤولية وطنية، تتطلب وعيًا، وتكاملًا بين البيت، والتعليم، والإعلام، واستحضارًا دائمًا بأن الأسرة ليست شأنًا خاصًا فحسب، بل أمنٌ مجتمعي، واستقرار وطن، ومقصد من مقاصد الشريعة.