د.عبدالعزيز النخيلان
لشهر شعبان حضورٌ خاصٌّ في الذاكرة والوجدان، فهو ليس مجرد شهر يسبق رمضان في التقويم، بل مساحة شعورية تمهّد للخير القادم، وتفتح القلب قبل أن تبدأ أيام الصيام.
وفي حائل وغيرها، درج الناس على تسميته (قصيّر)، في تعبيرٍ بسيطٍ وعميقٍ في آنٍ واحدٍ، يصف سرعة أيامه، وكأن الزمن يختصر نفسه شوقاً لشهر رمضان، أو كأن القلوب تستعجل الوصول إليه.
يأتي شعبان كل عام محمّلاً بالإحساس نفسه، إحساس الترقّب الهادئ، فلا هو كغيره من الشهور، ولا هو بعدُ شهر الصيام. إنه شهر المنتصف، شهر الانتقال، حيث تبدأ النفوس بالتهيؤ، وتتهيأ البيوت قبل أن تتهيأ الموائد.
يدخل شعبان، فتتغير ملامح الحياة اليومية. الأسواق تعج بالمتسوقين، والحركة تنشط في كل مكانٍ، استعداداً لشهر رمضان. مؤنٌ تُشترى، واحتياجاتٌ تُستكمل، وبيوتٌ يُعاد ترتيبها، في مشهد يتكرر كل عامٍ، لكنه لا يفقد روحه. إنها تعبيرٌ عن الفرح والاستعداد، وعن رغبةٍ صادقةٍ في استقبال الشهر الفضيل على أكمل وجه.
ولشعبان أجواءٌ اجتماعيةٌ دافئةٌ، لها نكهتها الخاصة. تجتمع العوائل، ويتقارب الأقارب، وتكثر اللقاءات، خصوصاً في ما يعرفه أهل حائل باسم (التقريشة)، وهي تجمعاتٌ تسبق دخول رمضان بأيام، يلتقي فيها الأهل والأصدقاء، ويتبادلون الدعاء ببلوغ الشهر الكريم. عادةٌ اجتماعيةٌ قديمةٌ، توارثها الناس جيلاً بعد جيلٍ، وبقيت حاضرةً رغم تغيّر أنماط الحياة وتسارعها، لأنها نابعةٌ من روح المجتمع وحرصه على صلة الرحم.
وشهر شعبان يعيد إلينا ذكريات الطفولة، دون استئذان. لم يختلف شعورنا به اليوم عن شعورنا به ونحن صغارٌ؛ ذات الترقّب، وذات الفرح الصامت، وذات الإحساس بأن أياماً مميزةً تقترب. كنا نراقب استعدادات الكبار، ونسمع أحاديثهم عن رمضان، ونشعر بأن شيئاً مختلفاً ينتظرنا، حتى وإن لم نفهم تفاصيله آنذاك. واليوم، وقد تغيّرت أدوارنا وكبرنا، بقي الشعور ذاته، وإن اختلفت التفاصيل، وبقي شعبان يوقظ فينا تلك الذاكرة البسيطة الصادقة.
وفي شعبان، تبدأ نفحات الإيمان مبكراً. إحساسٌ داخليٌّ بالطمأنينة، ورغبةٌ في الاقتراب أكثر، وميلٌ لمراجعة النفس، والاستعداد روحياً قبل دخول شهر الخير. كأن القلوب تُهيّأ قبل أن تُفرض العبادات، وكأن الأرواح تستقبل رمضان قبل أن يعلن الهلال ظهوره.
لم يكن شهر شعبان شهراً عابراً، ولكنه مرحلة إعدادٍ نفسيٍّ وروحيٍّ واجتماعيٍّ، تتلاقى فيه الذكريات مع الحاضر، وتلتقي فيه العادة مع العبادة، في صورةٍ متوازنةٍ تعكس عمق الارتباط بهذا الشهر.
وفي ختام شعبان، يبقى الدعاء حاضراً كما كان يردده النبي صلى الله عليه وسلم، دعاءً يحمل الرجاء والشوق معاً: (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلّغنا رمضان).