زياد الجارد
في مكاتبنا، ثمة نوع من الأشخاص بمختلف المستويات يصابون بما يشبه «سكرة الأعماق» فور ملامستهم للمقعد الدوار، سواء بالقطاع العام أو القطاع الخاص، لا فرق.
يظن لوهلة أن هذا الكرسي يخصه وحده، فتتغير طريقة الجلوس، ونبرة الكلام، ونظرة الجالس على الكرسي لمن أمامه.
المشكلة أن الكرسي، في جوهره، لا يختلف كثيرًا عن أي «كرسي»، فهو ثابت في مكانه، بينما الجالس عليه هو المتغيّر، وأحيانًا بوتيرة أسرع مما تتغير به المقاسات في رمضان.
والحقيقة التي ينساها بعض الأشخاص أن هذا الكرسي ليس مكانًا للثبات، بل محطة عابرة، يجلس بعضهم عليه بغرور، ويرى من أمامه عبئاً ينقص من هيبته، وينسى أن وجوده مرتبط بمن ينتظر أمامه، لا براحة الجالس.
هذا النوع ينهض في النهاية من الكرسي، فيرحل ولسان حال من خلفه يقول: رافقتك السلامة.
وعلى الجانب الآخر، تجد من يجلس على الكرسي وكأنه يجلس على «جمر». لا يبحث عن الراحة، بل عن الإنجاز قبل أن ينتهي دوره، يعرف تمامًا أن الكرسي يدور، وأن الجلوس ليس امتلاكًا، بل عبور محسوب، فيتعامل بتقدير واحترام، ويقص شريط التعقيد بذكاء، ويغادر تاركًا خلفه أثرًا طيبًا يتردد كلما ذُكر اسمه. فالكرسي ليس مكانًا للاستعراض، بل مساحة مؤقتة لتقديم خدمة تُجمِّل حياة الناس، لا تُعقِّدها.
ولنتذكر دائمًا، مهما طالت جلستك على الكرسي، سيأتي من يقف خلفك، ويقول بهدوء: نعيماً.. انتهى وقتك، فالوقت من ذهب، والكرسي من خشب.