د. ناهد باشطح
فاصلة:
«وسائل الإعلام لا تنقل لنا الواقع كما هو.. بل ترسم لنا صورة عنه»
-ولتر ليبمان-
* * * * *
لم تعلن السعودية رسمياً عن تقليصها لحجم مشروع نيوم، ومع ذلك فالصحف الغربية تنشر منذ عام 2024 الأخبار بأن لديها مصادر مطّلعة لم تعلن عنها تعطيها الأخبار، فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة Bloomberg في أبريل 2024 تقريراً يتناول «أن السعودية قلّصت طموحاتها المتوسطة المدى في تطوير نيوم مع توقعات بأن The Line قد تستوعب أقل من العدد الذي كان مخططًا له».
واستند التقرير إلى مصادر غير معلنة، ثم نشرت عدة صحف بريطانية مثل The Independent وThe Times وFinancial Times وأعادوا تداول الفكرة في نوفمبر 2025 بصيغ أشد حدة، كأنّ المشروع فقد الكثير من طموحاته الأصلية.
بعد عام تقريبًا، في 25-26 يناير 2026 ظهرت تقارير إعلامية جديدة استنادًا إلى تقرير نشرته صحيفة Financial Times بأن حلم نيوم مات، ظهر ذلك في تقارير على منصات مثل The New Arab وInvesting.com وMiddle East Monitor، كلها أشارت إلى خبر موت حلم نيوم 2026 استنادًا إلى تقرير الـFinancial Times
بدءاً لن أناقش واقع مشروع نيوم دون الاستناد إلى خبر رسمي، وحتى وإنْ صحّ خبر تقليص حجم مشروع نيوم (مع قناعتي بعدم صحته) فهو ليس المشروع الأول ولن يكون الأخير الذي تعاد جدولته؛ فعلى سبيل المثال تم إلغاء المرحلة الشمالية من مشروع ربط لندن بمانشستر وليدز بقطار فائق السرعة بسبب تضخم التكاليف حيث تجاوزت 100 مليار باوند وكذلك في ماليزيا لم ينجح مشروع المدينة الذكية النموذجية بسبب كلفة التشغيل
لكن تغطية الصحف الغربية لمشروع نيوم استخدمت مصادر مجهولة وحولت معلوماتها إلى حكم نهائي بموت مشروع نيوم فصنعت واقعًا سرديًا مشوهًا يتجاوز الواقع نفسه.
من المعروف أن استناد الأخبار إلى المصادر المجهولة التي لا تعلن عنها يفقد الصحف مصداقيتها إذ يجب أن تكون المصادر موثوقة، وغالبًا ما تتعلق المعلومات التي تنشر وفق مصادر مطلعة مجهولة بمُبلغين عن المخالفات، أو ما يتعلق بالمصلحة العامة، أو بخطر محتمل على المصدر.
ولذلك لا تلجأ وكالة مثل (Associated Press AP) إلى المصادر المجهولة إلا كملاذ أخير، عندما تكون المعلومات حيوية ومباشرة (وليست مجرد آراء أو تكهنات) ولا يمكن الحصول عليها بطريقة أخرى، وأن يوضح التقرير سبب إخفاء المصدر لمعلوماته.
وهذا لا يعني عدم استخدام المصادر المجهولة في الأخبار ولكن وفق قواعد صارمة
لا أحد يرغب في أخبار مبنيّة على مصادر مجهولة وغير خاضعة للمساءلة، وحقائق تبدو وكأنها مُختلقة.
على سبيل المثال في تغطية الصحف الأمريكية لقضية «بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي»، في ذاك الوقت اشترط المحرر التنفيذي في صحيفة «نيويورك تايمز» على الصحافيين ضرورة التأكد من شرطين، وهما: «ما مقدار المعرفة المباشرة لدى المصدر المجهل عن الحدث؟، ما هو دافع المصدر لإخفاء هويته؟».
لكن الوضح مختلف تمامًا في مصداقية تناول الصحف الغربية لمشروع نيوم فالقاسم المشترك فيما نشرته الصحف الغربية عن مشروع نيوم وتلقفته بعض الصحف العربية اعتماده على العناوين المضللة ذات الإطار العاطفي وعناوين تصدر الحكم دون أدلة مثل البيانات الرسمية أو الوثائق.
إشكالية التغطية الغربية لمشروع نيوم لا تكمن في المعلومات الواردة، -إذا سلمنا بصحتها - بل في العناوين التي قدمت استنتاجًا نهائيًا («نهاية ذا لاين») لا تدعمه الوقائع، وهو ما يُعد تضليلًا تأطيريًا لا خطأً خبريًا.
التقارير التي تعتمد على تأطير لغوي ومصادر غير موثقة لإنتاج استنتاجات تتجاوز الأدلة المعروضة، تجعل التقارير مجرد قراءة تفسيرية ذات نزعة حكمية، لا تقارير قائمًة على إثباتات قابلة للتحقق، وبذلك لا يقتنع القارئ الواعي بتفاصيل تلك التقارير.