من يراقب الاقتصاد الأمريكي اليوم يواجه مفارقة واضحة: أرقام كلية لا توحي بالخطر، يقابلها شعور عام بأن شيئًا ما لا يسير على ما يرام. الأسواق نشطة، الشركات الكبرى تستثمر، والذكاء الاصطناعي يهيمن على المشهد، بينما قطاعات كاملة تتباطأ بصمت وكأنها خرجت من الصورة. هذا التناقض ليس خطأ في القراءة، بل توصيف دقيق لمرحلة مختلفة من الدورة الاقتصادية.
في مطلع عام 2026، عاد الحديث عن التباطؤ الاقتصادي مع إشارات غير تقليدية، أبرزها تراجع مبيعات الشاحنات الثقيلة بنحو 30 % مقارنة بالعام السابق، وهو أكبر انخفاض منذ أزمة 2009. هذا المؤشر، الذي يعكس عادة نشاط الاستثمار وطلب الشحن، سبق أن ظهر قبل ركود 2008 وأزمة كوفيد-19. لكن السؤال اليوم لم يعد: هل ظهرت الإشارات؟ بل: هل ما زالت تؤدي الوظيفة نفسها في اقتصاد تغيّرت بنيته؟
الإجابة تبدأ من فهم اقتصاد «منحنى K»: اقتصاد ينمو فيه الطرف العلوي - أصحاب الأصول، الشركات الكبرى، وقطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي - بوتيرة قوية، بينما يواجه الطرف السفلي تباطؤًا ممتدًا في الدخل والتوظيف والطلب. في 2026، قد يحقق الاقتصاد الأمريكي نموًا في حدود 2-2.5 %، مدفوعًا بإنفاق الطبقات العليا واستثمارات الذكاء الاصطناعي، في حين تتآكل القدرة الشرائية لدى شرائح واسعة.
وحسب تقديرات بيوت مال وخبرات اقتصادية متعددة، تتراوح احتمالات الركود بين 26-35 %، وهي تعكس هذا الانقسام أكثر مما تشير إلى سيناريو انهيار شامل، إذ إن كثيرًا من المؤشرات التقليدية صُممت لاقتصاد أكثر تجانسًا مما نراه اليوم.
منحنى العائد المقلوب (حين تصبح فائدة السندات قصيرة الأجل أعلى من الطويلة الأجل)، الذي كان لعقود إنذارًا مبكرًا شبه حتمي للركود، فقد كثيرًا من حسمه. فوائض سيولة ضخمة جعلت الأمان هدفًا بحد ذاته، فشوّهت دلالة هذا المؤشر.
والأمر ذاته ينطبق على قاعدة سام (حين يرتفع معدل البطالة بنحو نصف نقطة مئوية فوق أدنى مستوى له خلال الاثني عشر شهرًا السابقة)؛ فالبطالة الإجمالية تبدو مستقرة عند 4.5-5 %، لكنها تخفي نسبًا أعلى بكثير لدى الفئات الأقل دخلًا، في ما يشبه ركود توظيف جزئي لا يظهر في المتوسطات.
حتى مؤشر الاقتصاد الرائد (LEI - وهو مؤشر مركّب يضم إشارات مبكرة عن اتجاه النشاط الاقتصادي)، الذي انخفض لأكثر من 20 شهرًا دون إعلان ركود رسمي، فقد كثيرًا من وزنه، إذ تقابله استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية تُبقي النشاط الكلي متماسكًا.
لهذا تصبح المؤشرات القطاعية أكثر صدقًا: ضعف التصنيع، تباطؤ الإسكان، وتراجع الشحن. انخفاض مبيعات الشاحنات الثقيلة وتراجع أسعار الأخشاب ليست تفاصيل فنية، بل علامات على أن جزءًا من الاقتصاد يعيش تباطؤه بالفعل.
بهذا المعنى، لم يعد الركود حدثًا يُقاس بالسقوط الجماعي، بل عملية فرز هادئة: من يملك السيولة والعقود والقدرة على الانتظار يستمر - ومن لا يملكها يتوقف أو يتآكل، حتى لو ظل الاقتصاد ككل ينمو.
هذه ليست مفارقة، بل الشكل الجديد للدورات الاقتصادية.
** **
سعيد محمد عبيد بن زقر - كاتب اقتصادي