في تجربتي مع المقاهي، تعلّمت أن أكثر ما يضر صاحب المشروع ليس قلة الأفكار، بل كثرة الموافقات. فالمقهى، رغم بساطته الظاهرة، مشروع مليء بالقرارات اليومية التي تتطلب توازنًا دقيقًا بين الشغف والحساب. من اختيار الموقع، إلى تصميم المكان، إلى نوع الأجهزة، وقائمة المشروبات، وحتى خطط التوسع، تتزاحم الآراء والنصائح، وغالبًا ما يكون الرد الأسرع هو: نعم، فكرة ممتازة.
في بدايات التجربة، كان الحماس هو المحرك الأول. كل اقتراح يبدو منطقيًا، وكل إضافة تُعرض على أنها خطوة ضرورية للنجاح. مورد القهوة يؤكد أن أحدث آلة تحضير ستصنع الفارق، والمصمم يقترح مساحة أكبر ولمسات أعلى كلفة، والخبير التسويقي ينصح بقائمة طويلة ترضي جميع الأذواق. لم يكن هناك نقص في النية الحسنة، لكن السؤال الغائب كان بسيطًا: هل نحتاج كل هذا الآن؟
في المرحلة الأولى، بدت الصورة مثالية. المقهى أنيق، الأجهزة حديثة، والقائمة غنية. غير أن مرور الوقت كشف تحديات لم تكن في الحسبان. ارتفعت تكاليف التشغيل، وبعض المشروبات نادر الطلب، فيما أصبحت صيانة الأجهزة عبئًا مستمرًا. لم تكن المشكلة في جودة الخيارات، بل في توقيتها وحجمها مقارنة بقدرة المشروع الفعلية.
هنا بدأت أُدرك أهمية مستشار «لا». ذلك الشخص الذي لا ينجرف مع الحماس، ولا يرى في كل فكرة فرصة لا تُفوّت. مستشار «لا» في عالم المقاهي هو من يتوقف قليلًا، ويسأل أسئلة قد تبدو مزعجة، لكنها ضرورية: كم سيكلف هذا القرار على المدى الطويل؟ كم مرة سيُستخدم؟ هل سيضيف قيمة حقيقية لتجربة الزبون، أم مجرد تعقيد إضافي؟ هو من يذكّر بأن البساطة أحيانًا ليست خيارًا اضطراريًا، بل ميزة تنافسية.
في أحد المواقف، طُرح اقتراح بإضافة أصناف جديدة لمواكبة «الترند». الفكرة جذابة، وقد تجذب شريحة جديدة من الزبائن، لكن عند التمحيص تبيّن أنها تحتاج مواد خاصة، وتدريبًا إضافيًا، وربما لن تستمر شعبيتها طويلًا. كانت كلمة «لا» في تلك اللحظة حماية للوقت والجهد والمال، لا عائقًا أمام التطوير.
كثير من مشاريع المقاهي تتعثر لا بسبب ضعف الفكرة، بل لأن أصحابها حاولوا أن يفعلوا كل شيء دفعة واحدة. توسع في القائمة، وتوسع في المساحة، وتوسع في التكاليف، دون أن يتوسع الطلب بالوتيرة ذاتها. ومع كل قرار، كان هناك من يبارك ويشجع، وقليل من يتوقف ليسأل عن الجدوى.
مستشار «لا» لا يعارض النجاح، بل يسعى إلى استدامته. هو من يوازن بين الذوق والتكلفة، وبين الرغبة في التميز والقدرة على التنفيذ. وجوده لا يعني إبطاء المشروع، بل منحه فرصة للنمو الصحي، خطوة بخطوة، بدل القفز فوق الإمكانات.
مع مرور الوقت، تعلّمت أن القرار الجيد في المقهى ليس بالضرورة الأكثر إبهارًا، بل الأكثر ملاءمة. وأن قول «لا» في الوقت المناسب قد يكون الفارق بين مشروع يستمر وينضج، وآخر يستهلك نفسه بسرعة. فكما أن القهوة الجيدة تحتاج تحميصًا متوازنًا، فإن القرارات الناجحة تحتاج صوتًا هادئًا يقول: توقف قليلًا.. وفكّر.
** **
- د. زايد محمد العمري