الفريق/ سعد بن عبدالله التويجري
تُثار في حوارات السياسة المعاصرة إشكالية دور القوى الإقليمية في الاستقرار الإقليمي والحفاظ على سيادة الدول الوطنية أو تقويضها، وفي هذا السياق تبرز المملكة العربية السعودية كحالة استثنائية مغايرة منذ تأسيسها الحديث على يد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-؛ بوصفها حالة مختلفة كدولة تشكلت من رحم الفوضى، ثم تحولت تدريجياً إلى عامل استقرار إقليمي قوي وحازم وثابت لدعم قوة دول محيطها العربي والإسلامي من داخلها، دون إملاءات ولا تدخلات ولا مصدر لتصدير الأزمات والصراعات لإضعافها وتقويضها.
وعلى مدار تاريخها الحديث برهنت الدولة السعودية على وزن سياسي ودبلوماسي متوازن، مع ثبات سياستها الخارجية التي قامت على أولوية الاستقرار السيادي للدول، مع التأكيد على عدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهذا النهج الذي ركز على تعزيز قدرة الدول على إدارة نفسها داخلياً انعكس على الحد من تفكك العديد من الدول العربية والإسلامية، ودعم استقرار مؤسساتها حتى في ظل أزمات كبيرة وصراعات إقليمية معقدة، ويجعل هذا الخيار الذي غالباً ما يحمل تكلفة سياسية عالية المملكة العربية السعودية شريكاً فاعلاً في حفظ النظام الإقليمي.
وثَّقت كثير من الدراسات والأبحاث الأكاديمية والسياسية النهج السعودي في عدة أطر تصب في نتيجة واحدة مفادها: أن الدور السعودي الحازم يقوم على حفظ واحترام السيادة، والعمل على دعم المؤسسات الوطنية والخدمية للمجتمعات، وليس داعماً لفصيل ضد آخر مما يعزز سيادة الدول واستقرارها.
وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ توثق دراسة صادرة عن معهد الدراسات الدولية «CSIS» بتاريخ 15-1-2026، الاستراتيجية السعودية اتجاه دولة اليمن كنموذج تطبيقي لاحترام السيادة من خلال عدة محاور أهمها دعم الشرعية السيادية، وأن التدخل السعودي في اليمن منذ بدايته هدفه استعادة مؤسسات الدولة الوطنية وعدم انهيارها وحماية سيادة الدولة اليمنية من التآكل والانهيار أمام المليشيات غير النظامية.
وتثبت الأرقام الواردة في الدراسة أن البرنامج «SDRPY» البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن الذي أطلقته السعودية عام -2018 م- لدعم واستقرار سيادة اليمن عبر المسار التنموي أصبح الأداة الدبلوماسية الأولى لتمكين الحكومة اليمنية من فرض سيطرتها عبر تقديم الخدمات، وتثبيت الاستقرار الخدمي لاستتباب الأمن في الحواضر المجتمعية، مع التأكيد على عدم التدخل في الشأن الداخلي، وأن الوساطة السعودية بين الأطراف اليمنية تعتبر خارطة طريق تعتمد بالدرجة الأولى على الحوار اليمني، وتفاهم الأطراف اليمنية دون إملاءات خارجية أو ضغوط للتأثير على قراراتهم، مما يعكس حرص حكومة الدولة السعودية على أن ينبع القرار السيادي من الداخل اليمني لضمان استدامته.
وتتفق مع هذه الدراسة، الدراسة الصادرة عن مركز الخليج للأبحاث بتاريخ 6-3-2025 وبعنوان «دبلوماسية التوازن والسيادة: إعادة صياغة الدور السعودي في العراق ولبنان وسوريا»؛ وتدور بحثية الدراسة حول ترسيخ الهوية الوطنية في العراق واستعادة استقلالية القرار العراقي عبر تقليل ارتهانه لأي قوى إقليمية، ومنع الفراغ الداخلي في سوريا بإعادة بناء المؤسسات السيادية السورية وعدم تحولها لساحة تدخلات وصراعات، وفي لبنان تسعى السعودية لاستتباب الأمن من خلال قوة الدولة ودعم المؤسسات الشرعية لها كسبب وحيد لإعادة السيادة الوطنية بعيداً عن المليشيات، مع ربط أي دعم اقتصادي بقدرة الدولة على ممارسة سيادتها الكاملة دون تدخلات خارجية أو صراعات أيديولوجية أو طائفيه.
وفي دراسة للمعهد الدولي للدراسات الإيرانية بتاريخ 28-4-2024 تؤكّد نتائجها أن هناك شواهد كثيرة تُشير إلى قوة الدولة السعودية وكفاءتها بكل احترافية في التحكم وإدارة الأزمات على الساحة الإقليمية والدولية ودعمها غير المحدود للفقراء والمتضررين من الحروب والكوارث في مختلف أنحاء العالم.
وفي إبان جائحة كوفيد -19 التي كانت بمثابة أزمة عالمية سببت شللاً تاماً للكرة الأرضية برزت الدولة السعودية كدولة محترفة في إدارة الأزمة، وتمكنت من الاضطلاع بدور ريادي ومهم في تقليل تداعيات هذه الأزمة العالمية والخروج منها بحلول ذات تأثير فاعل على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.
وفي أبريل عام 2023م، وخلال تأزم وانفجار الأزمة السودانية قامت السعودية بجهود ملموسة لمساعدة وإجلاء آلاف الرعايا من مختلف دول العالم، وهو ما يعكس قدرة الدولة على الاضطلاع بدور ريادي في إدارة الأزمات عبر الوساطة والحوار والتحرك السريع.
كما يمثل الحضور المتوازن للنهج السعودي تعامل السياسة السعودية مع الحرب الروسية - الأوكرانية، وأزمة الطاقة العالمية، بجانب إدارة ملفات علاقاتها الخارجية مع إيران وصولاً إلى سعيها الحثيث في التأكيد على الشرعية الفلسطينية، وإدارة الوضع المتأزم في حقوق الشعب الفلسطيني، هي أمثلة تُشير إلى صعود القوَّة السعودية إلى دورها الريادي في إدارة الأزمات والمخاطر الدولية والمُضي قُدماً في تقليل المخاطر والأزمات التي يمر بها العالم، والمساهمة في بسط الأمن والاستقرار كل ذلك وأكثر منه يدل على أن المملكة العربية السعودية شريك دولي مهم في استتباب الأمن العالمي.
تصف هذه الدراسات وغيرها السياسة السعودية بأنها «دبلوماسية جيواقتصادية» حيث تؤمن السعودية أن جيراناً أقوياء ذوي سيادة مؤسساتية ودول مستقرة هو الضمانة الوحيدة لتحويل منطقة الشرق الأوسط من ساحة صراع إلى منطقة تعاون عالمي، وهو الركن الأساسي لتحقيق الازدهار المستدام.
ورغم كل ما يُثار من أقوال وأفعال ضد الدولة السعودية تبقى المملكة العربية السعودية بمبادئها وحيادها وقدراتها ورمزيتها الدينية والتاريخية والاقتصادية هي الطرف الأثقل في المساهمة لبسط الأمن والاستقرار والازدهار، والقيام بأدوار مؤثرة في الوساطات التي تُفضي لتسويات سياسية لعديد من الصراعات الإقليمية والدولية العالقة لحياديتها وعقلانيتها في إدارة مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية.