مبارك بن عوض الدوسري
وُلدتُ في قرية النويعمة بمحافظة وادي الدواسر، قبل أن تتحول إلى مركز إداري بعد صدور نظام المناطق عام 1412هـ، وفي تلك المرحلة كانت الحياة بسيطة في مظهرها، عميقة في قيمها، جميلة في تفاصيلها الإنسانية؛ كان المجتمع آنذاك يقوم على التواصل الصادق والتكاتف الاجتماعي، وكانت الأرض بما تنتجه جزءاً من هذا التكاتف؛ فالزراعة لم تكن مورد رزق فحسب، بل كانت لغة مودة بين الناس؛ فمنتجات المزارع لكثير من المحاصيل لا تُعرض للبيع بقدر ما تُهدى، تُقدَّم للأقارب والجيران والمعارف، وكأنها إعلان غير مكتوب بأن الخير إذا حضر وجب أن يعمّ الجميع.
أتذكر جيدًا بدايات ظهور «العينة»، تباشير الرطب الأولى، حين كانت توزع بالفردة والفردتين ليذوقها الجميع، لا لتُقاس قيمتها بسعر السوق بل بقيمة المشاركة؛ وكذلك ثمار الأترجة، والعبري المحلي الذي كنا نسميه «الدوم»، والمبمبر، وجمار النخيل الذي عرفناه باسم «شحم النخل». حتى لقاح النخيل، الذي نراه اليوم يُباع في مواسمه، كان في ذلك الزمن يُعطى مجاناً لمن يحتاجه من المزارعين، في صورة من صور التعاون الفطري الذي لم يكن يحتاج إلى توصيف أو تنظير.
هذه الذاكرة عادت إليّ بقوة وأنا أشاهد في مثل هذه الأيام، كل عام، مشاهد بيع لقاح النخيل بأيدي عمالة وافدة، في تحول لافت يثير سؤالاً مشروعاً: ماذا تغيّر؟
هل نعيب الزمن، كما قال الإمام الشافعي:
نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمانَ بغير ذنبٍ
ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليسَ الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ
ويأكلُ بعضنا بعضاً عيانا
أم أن المسألة أعمق من مجرد حنين إلى الماضي؟، الواقع أن ما حدث يمكن فهمه ضمن إطار التغير الاجتماعي، وهو التحول الذي يطرأ على بنية المجتمع وقيمه وأنماط سلوكه نتيجة عوامل متعددة، من أبرزها: دخول العمالة الوافدة إلى صلب النشاط الزراعي واستحواذها تدريجياً على كثير من تفاصيله؛ هذا الحضور لم يكن اقتصادياً فقط، بل صاحبه تأثير ثقافي وتداخل في أنماط التعامل، حيث انتقلت ممارسات تقوم على المنفعة المادية البحتة إلى بيئة كانت تحكمها قيم العطاء والمشاركة.
ومع هذا التداخل، بدأ يظهر تغير في النسق القيمي؛ فالقيم الأصيلة التي كانت ترى في الفائض نعمة تُقاسم، أصبحت لدى الأجيال الجديدة في بعض الأحيان مورداً يُستثمر، لا فرق فيه بين قريب وغريب؛ ويواكب ذلك تحول ديموغرافي واضح في التركيبة السكانية داخل المزارع والقرى الزراعية، حيث تغيرت نسب العاملين وأدوارهم، ما انعكس على طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع المحلي.
لا يعني ذلك بالضرورة أن كل تفاعل مع الآخر سلبي، فهناك ما يمكن وصفه بالاندماج الثقافي حين يتم التفاعل بشكل متوازن يحفظ الهوية المحلية ولا يلغيها، غير أن الإشكال يظهر عندما يتحول الأمر إلى استيعاب ثقافي تذوب فيه ملامح من الثقافة المحلية، أو إلى تغريب ثقافي يُنظر إليه بوصفه تهديداً للعادات والتقاليد المتوارثة؛ وعند هذه النقطة يتحدث الباحثون عن خلل في التوازن المجتمعي، حيث لا يكون التغير منسجماً مع تاريخ المكان ولا مع منظومته القيمية.
المقالة هنا ليست دعوة للوقوف ضد التغير، فالتغير سنة من سنن الحياة، ولا يمكن لمجتمع أن يبقى جامداً خارج حركة الزمن؛ لكنها دعوة للتأمل في كيفية إدارة هذا التغير، بحيث لا نفقد جوهر ما كنا عليه ونحن نواكب ما نحن مقبلون عليه؛ فالقضية ليست في بيع لقاح النخيل بحد ذاته، بل فيما يرمز إليه من انتقال في المعنى: من ثقافة العطاء إلى ثقافة المقابل، ومن المجتمع المتكافل إلى المجتمع الذي يحتاج إلى إعادة تذكير بقيمه.
ويبقى السؤال الأهم: كيف نعيد التوازن؟ ربما يبدأ ذلك بتوثيق الذاكرة الاجتماعية، وتعزيز الوعي بالقيم الأصيلة، وإشراك الأجيال الجديدة في فهم تاريخ المكان لا بوصفه حكاية ماضية، بل كمرجعية أخلاقية يمكن أن تتعايش مع الحداثة دون أن تذوب فيها؛ عندها فقط، لن نكون ممن يعيبون الزمن، بل ممن يُحسنون التعامل معه.