عبدالعزيز صالح الصالح
كل إنسان في هذه الدنيا يرى الأشياء ما لا نرى، بل يرى كل شيء جميلا مقنعا، فلا بُدَّ أن نكشف القناع لنرى الجمال، وأن حقائق العالم مستورة، وأن مظاهرهم ليست إلا إعلاماً يستدل بها على خفاياهم، وأن قيِّمة العالم في باطنه، وليس في ظاهره، وأن الجمال المكشوف ليس جمالاً، فالحقيقة العادية لا تلذ النفوس الكبيرة والوجوه الكالحة لا تسعد النفوس العاليَّة، والأقنعة الباهتة لا ترمز إلى النقاء.
فإن البحث عن الحقيقة ألذَّ من الحقيقة نفسها، وأن جمال الجميل في بعده، وعندما تنظر إلى الجميل كأنك لا تنظر إليه، وعندما تقترب منه وكأنك لا تقترب منه، فالمرء لا يدرك الحق إلاَّ بالحب..
وعندما يعتمد المرء على اللُّغة وعلى منطق العقل يسهل تفاهمه، لأن لألفاظ اللُّغة معاني محدودة لا يتسرب إليها الخطأ والصواب فإن الذِّوق والعاطفة والخيال حالة صحية سليمة، وقد يكون الفرد منها مريضاً، فكذلك العقل قد يمرض فيكون جنوناً، وكذلك الذِّوق قد يمرض فيجد الحلو مراً، وكذلك العاطفة قد تمرض فتغلى أو تبرد، والخيال قد يمرض فيكون وهماً، فالعقل له منطق محدود وشروط معيِّنة، فإن الذِّوق والعاطفة يلطفان من حدة العقل في هذه الحياة، فالعين ترى محاسن الأشياء ولا ترى عيوبها، وترى الطبيعة كتاب الله المفتوح، فالأشجار صفحة، والإنسان صفحة، والبحار صفحة، وكل شيء فيه صفحة فإذا كانت الكتب لا تفهم إلاَّ بواسطة اللُّغة، فكتاب الطبيعة المفتوح لا يفهم إلاَّ بالقلب المفتوح.
فالمرء إذا جلس على شاطئ البحر فإنه يرى تلاعب الرِّياح بالأمواج العاتية، وإذا خفق قلبه بالقرية أكثر مِّمَّا يخفق في المدن، وإذا نبض قلبه عند الطبيعة العادية أكثر مِّمَّا ينبض في المدن الكاسية، فقد رأى الدنيا على حقيقتها فلم تخدعه، وتمثلت له كما تتمثل الرواية على الشاشة البيضاء، فقد فهم ما سيكون، واطمأن إلى ما يحدث، فكلنا يبحث عن الحق بعقله فتضطرب الدلائل وتختلف الأعلام.
ما أضيع العدالة إذا فقدت في هذه الحياة، ولست أرى سبباً جوهرياً يحمل عراكاً عنيفاً بين هذا وذاك، إلا تعصب البعض فيما بينهم، ومهما قال علماء النَّفس في وحدة القوَّة النَّفسيَّة في المرء، فهذه التصرفات الهوجاء لا تحقق إلا إذا قبله العالم المتحضر كله، ونفذها في صدق وإخلاص وقوَّة عقيدة..
فالإنسان إذا سئم الأرض طار إلى السَّماء، وإذا مج اللذائذ مال إلى الزهد، وإذا سئم من دنيا الناس عاش في عالم المثال، وإذا عجب من تفكير الناس هرع إلى البحث في أسباب خطئهم، وإذا لم تعجبه عقليتهم نشد المثل الأعلى للعقلية، فالقارئ الكريم إذا قرأ الصفحة أو العبارة أو الجملة وقف ملياً، ويشعر أنه تفتحت له منها آفاق للتفكير كأنه يطل منها على العالم، فيدرك وجوه الشبه بين الأفكار ووجوه الخلاف، ويدرك وجوه الفروق الدقيقة منها، ووجوه الشبه فيما يظنه البشر، فالقارئ الناقد هو الذي إذا قرأ فهم، وإذا فهم قوَّم، وإذا قوِّم احتفظ بالصحيح واستبعد الزائف، وإذا احتفظ بالصحيح فكر في العلاقة بينه وبين ما سبق له ادِّخاره في ذهنه، ثم كوِّن من ذلك كله وحدة متجانسة ينظر من خلالها إلى العالم، ويصدر بها حكمه على الأشياء.
والله الموفِّقُ والمعين.