د. محمد عبدالله الخازم
أحضُر بعض المنتديات والملتقيات لا بحثاً عن محتوى علمي/ أكاديمي، فليست أهداف الملتقيات الكبرى تقديم مادة علمية مقننة. وإنما نحضرها، غالباً، لأهداف مثل: بناء العلاقات والتواصل، التحاور والنقاش مع المهتمين بالموضوع، والاطلاع على التوجهات الاستراتيجية من قادة القطاعات ذات العلاقة. المحتوى العلمي/ الأكاديمي يكون في المؤتمرات العلمية والمهنية المتخصصة، كتلك التي تنظمها الأقسام والجمعيات العلمية في الجامعات.
يا للأسف، هذه الأهداف أو بعضها لا تتحقق في (بعض اللقاءات)، بسبب آليات تنظيمها وإدارتها. يلاحظ -على سبيل المثال- بأنه لا يتاح النقاش والحوار بين المتحدثين والحضور؛ يلقون كلماتهم ولا يستمعون أحياناً إلى أسئلة أو مداخلات أو حتى وجهات نظر مختلفة من الحضور.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل هناك ظاهرة عزل -من باب التكريم- كبار الضيوف والمتحدثين عن بقية الحضور في أماكن منفصلة، وكأن حتى مجرد الالتقاء بهم في الممرات أو طرح سؤال عابر أمراُ غير ممكن. عندها يبرز سؤال مشروع: هل الدور المطلوب من الحضور، أن يكونوا مجرد متلقين/ مستمعين سلبيين؟
وسأذكر هنا مثالاً، آملاً أن يُتعامل معه بروح التغذية الراجعة التي تفيد في التطوير المستقبلي، لا بروح الحساسية تجاه أي ملاحظة نقدية.
حضرت مؤخراً ملتقى الاستثمار في التعليم، لا بصفتي منتمياً للقطاع أو شخصية مدعوة -وهي صفة أغلب الحضور- بل مهتما بسياسات التعليم ومستشاراً في الاستثمار. مع أهمية التأكيد على أنني أصف/ أكتب عن الملتقى وما ورد فيه وليس إنتاجية وزارة التعليم.
جميل الإشارة إلى حجم الفرصة والأمر طبيعي في قطاع بحجم التعليم توجد آلاف الفرص، وهو مشمول بسياسات الاستثمار والتخصيص وفق رؤية 2030. ما كنت أبحث عنه هو فهم السياسات، النماذج، المسارات، الآليات، الأولويات، العوائد، إلخ. لكن الحوار لم يُتح لنا، وكانت المشاركات عموميات لا تقدم المعلومات التي يحتاجها المستثمر، بل وتتناقض فيما بينها أحياناً، رغم أن 50 % من المتحدثين وغالبية الحضور ينتمون للجهة المنظمة.
على سبيل المثال، في التعليم العالي الأجنبي؛ مسؤول يرحب ويتباهى بالإقبال وآخر -دون مرجعية عملية واضحة- يشكك ويقلل أو ينسف تجارب عالمية، مثل مدن المعرفة أو الجامعات الأجنبية وهي المطبقة في عدة دول، لكل منها سياقها وألياتها؟ لم تتح لنا فرصة السؤال/ النقاش، فكنا في حيرة، هل ما ذكر يعبر عن انطباعات شخصية أم وجهة نظر رسمية؟
مثال آخر، عند الحديث عن الاستثمار في المستشفيات الجامعية، ملأ المتحدث الوقت المخصص بتفاصيل لا تهمني كمستثمر عن التدريب الطبي وأهميته، دون تقديم تصور واضح حول النموذج/ الخطط التشريعية والاستثمارية ذات العلاقة؛ مبرراتها، أولوياتها، أليات تنفيذها، تشغيلها، حجمها، عوائدها، إلخ. كمستثمر أو مهتم بالسياسات، أولويتي هي البحث عن معلومات عملية وموضوعية ذات علاقة بالسياسات والتشريعات والخطط الاستثمارية.
أقدر الخبرات الأكاديمية والإدارية وأليات العمل في القطاع الحكومي، لكنه مهم -في مقامنا هذا- فهم لغة الاستثمار والمستثمرين. كما أنه مهم عند صنع السياسات الحوار مع خبراء الاقتصاد والاستثمار وسياسات التعليم. تذكروا، المعلومة الناقصة/ غير الواضحة أسوأ من غياب المعلومة.
ومع الود، ننتظر نسخة قادمة أجمل للملتقى، كمنصة حوار مع المستثمرين وصناع السياسات.