غالية بنت محمد عقاب المطيري
الخلوة مع النفس أمرٌ محمود، وقد يكون الصمت أسلوب حياةٍ لدى البعض، لكن يُبكيني حالُ من يرى في العزلة حياة.
في الصمت شعور، وفي الخلوة الكاملة ميزة، وللقهوة طعمٌ في صباحٍ خالٍ من صُحبة، أو قلبٍ يدعو لك، أو حتى من شجارٍ عذب.
لذلك أترحّم على من عاش حياةً كهذه، أو نال إعجابه من يعيشها. وما سببُ تراحمي ذاك إلا رحمةٌ أودعها ربي في قلبي، وشفقةٌ على حال أصحاب تلك القلوب. لكن حين تتعالى الأصوات، ويتداعى البعض إلى جعل حال أولئك القوم نموذجًا سليمًا يُحتذى به، فهذا ما يدفع الإنسان إلى البحث والكتابة بمنطق الأدلة، والحُجّة، والبرهان. لأن الصمت عندما يكون رفيقًا دائمًا، فهذا يدل على أمرٍ شاذٍّ واضطرابٍ نفسيٍّ يخالف خِلقة بني آدم الذين خُلقوا على الاجتماع والأُنس بمن حولهم. وهذا ما أكّده ابن خلدون في مقدمته حين قال: «إنّ الاجتماع الإنساني ضروري، وبدونه لا يتم وجود البشر ولا تستقيم حياتهم».
فالإنسان -من وجهة نظر ابن خلدون- اجتماعيٌّ بطبعه، ولذلك فإن الإنسان السليم يتجنّب العزلة المطلقة، ويغشى المجالس، ويؤثر الأُنس والاجتماع.
وإن كان لخلوته مع نفسه نصيبُ الأسد من وقته، فهو متوازن في ذلك، كما تتوازن كفّتا الميزان عدلًا وإنصافًا. غير أنّ الصمت قد يكون سلاحًا لا بدّ منه، يُشهَر في مواضع دون أخرى.
فهناك مواقف تُجبرك أحيانًا على الصمت؛ مثل لحظة خذلان، حين تأبى جراح قلبك أن تُخرج الكلمات، أو أن تُرسل الدموع بدلًا عنها. هنا يكون الصمت من أشدّ الأسلحة قوّة، وإن كان إيلامه على الإنسان شديدًا، إلا أن الحديث في تلك اللحظات أشدّ إيلامًا وفتكًا. وهذا الصمت ليس دليل ضعف، بل خيارٌ أُجبرت عليه.
لماذا؟
حتى لا تُصدم بموقفٍ أو شخصٍ ما، أو عندما تخشى خسارة وُدّ أشخاصٍ لهم لديك مكانة، أو حتى لا تقع في خطأ.
وفي هذا المعنى قال أبو العتاهية:
الصمتُ أزينُ بالفتى
من منطقٍ في غيرِ حينه
وقد يرى البعض أن الصمت نوعٌ من الجبن، لكن الصمت هنا دليل قوّة وشجاعة؛ فهو معركةٌ حامية الوطيس، لا يمكن الفوز بها إلا من قبل إنسان شجاع، نبيل، وفطِن. لذلك لا بدّ من تصحيح عبارة:
«آثر فلان الصمت»
إلى:
«آثر فلان خوض معركة الصمت».
ومن فوائد الصمت الإعراض والتجاهل عن الخوض في أي نقاش تتأكد أن محاورك لن يقتنع بما لديك من حُجّة وبرهان. فحينها يكون الصمت هو الخيار الأفضل. وقد أكّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى بقوله: «أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حَسُن خُلُقه».
ومع ذلك، قد يتّخذ الإنسان سُبلًا تُريحه من عناء الصمت ومعركته الطاحنة، ومنها: الكتابة نثرًا أو شعرًا.
فالكتابة قد تكون حلًّا عندما يستحيل عليك الكلام.
قد يصمت لسانك، لكن قلبك يكتب، ويجد في الكتابة نوعًا من الفضفضة تُريحه من الموقف الذي ألجمه بلجام الصمت.
لذلك كانت الكتابة وسيلة القلوب في تبيانها، وهي نعمةٌ تستوجب الشكر والحمد.
ومن أجمل ما قيل نثرًا قول نزار قباني عن الصمت «هناك صمتٌ أنيق لا يسمح لنا بالبوح، مهما كان الوجع».
أمّا في الشعر، فلعل في أبيات مريم صلاح النعيم ما يكفي ويغني:
وحدّثيني إذا ما الصمتُ أرهقني
والهمُّ أنهكني، والضحكُ غادرني*
وفي هذا البيت مسكُ الكلام وأعذبه. كما قال صالح مجدي بك:
وَفي النَّفس حاجاتٌ وَفيك فَطانةٌ
سُكوتي بَيانٌ عِندَها وخِطابُ*
- موقع الديوان