د. رانيا القرعاوي
جاء إعلان فوز «مهمة العوجة»، وفيلم صندوق التنمية السياحي في المنتدى السعودي للإعلام، رسالة واضحة لتنفي فكرة باتت سائدة بأن التأثير الإعلامي مشروط بأن يكون الفيلم أقل من دقيقة، وأن الفيديو الطويل فقد قيمته.
حيث يقدم العملان قصة متكاملة، بسرد متدرج، وبقصة تحمل معنى، لا تخدم الخوارزمية، وأثبتا أن الإبداع لا يُقاس بالثواني بل بالأثر.
الاعتقاد بأن الجمهور لم يعد يحتمل إلا المقاطع القصيرة هو تبسيط مخلّ. الدراسات الأكاديمية لا تدعم هذا الطرح حين نتحدث عن التأثير العميق لا الاستهلاك السريع.
توضح الأبحاث التي أجراها باحثون في جامعة برينستون بيّنت أن تزامن النشاط العصبي بين الراوي والمتلقين، يرتفع بشكل ملحوظ عندما تكون القصة متماسكة ومتسلسلة، بغضّ النظر عن طولها، وينخفض في المحتوى السريع المبتور الذي يفتقد البناء السردي.
دراسة أخرى منشورة في Harvard Business Review أوضحت أن القصص التي تعتمد على سرد واضح وشخصيات ومعنى تحفّز إفراز هرمون الأوكسيتوسين المرتبط بالتعاطف والثقة بنسبة أعلى، وأن الرسائل التي تُبنى على قصة تُحقق قابلية تذكّر أعلى بما يقارب 22 مرة مقارنة بالمحتوى المعلوماتي أو الترويجي المباشر.
هذا يعني أن ما يبقى في الذاكرة ليس السرعة، بل الارتباط العاطفي.
وتشير دراسات MIT Media Lab إلى أن الأفلام المؤسسية القائمة على قصة واضحة وقيمة محددة تُحقق معدلات تذكّر أعلى بثلاثة أضعاف مقارنة بالمحتوى الدعائي القصير، كما تزيد احتمالية مشاركة الرسالة بنسبة تتجاوز 40% عندما يشعر المتلقي أن الفيلم «يحكي شيئًا يهمه» لا «يسوّق جهة».
في علم الاتصال، تميّز نظرية النقل بين الانتباه اللحظي والانغماس السردي. الانتباه قد تحققه مقاطع قصيرة، لكن الانغماس يصنع التأثير الحقيقي، ولا يتحقق إلا حين ينتقل المتلقي ذهنيًا وعاطفيًا داخل القصة. هذا الانتقال يحتاج وقتًا كافيًا، وبناءً هادئًا، ونقطة ذروة، وخاتمة ذات معنى.
وبما أن موسم أفلام يوم التأسيس واليوم الوطني اقترب، نأمل أن نحظى بعدد أكبر من الأفلام المشابهة ليوم العوجة وصندوق التنمية السياحي، أفلام تركز على الفكرة والقضية لا الجهة وأشعار ومبنى وإنجازات، مثل، الحفاظ على الطاقة، الصناعات الدفاعية، السياحة المستدامة، التعليم، جودة الحياة، تمكين الإنسان، حماية الموارد.
فالفيلم الذي يخدم فكرة وطنية يعيش أطول من فيلم يخدم شعارًا.
سلطوا الضوء على قصص إنسانية أو رحلة حقيقية. فالأرقام وحدها لا تكفي، والشعارات وحدها لا تؤثر. القصة هي الجسر بين الفكرة والجمهور.
والأهم، لا تختصر الفيلم لإرضاء الخوارزمية. اختصر فقط إذا كان الاختصار يخدم المعنى، وأخيرا تجنّب المباشرة والترويج الصريح. دع الرسالة تُفهم، لا تُقال. الدراسات تؤكد أن الإيحاء أكثر تأثيرًا من التصريح.
فحين تنشر الجهة فكرة فيلم يحتاجه المجتمع أو الوطن، تبقى تلك الأفلام في الذاكرة، ولا ينتهي أثرها بانتهاء المناسبة التي أنتج الفيلم لها.
إن الإعلام السنع لا يطارد الترند، بل يصنع أثرًا. ولا يقيس النجاح بعدد الدقائق، بل بعمق الفكرة.
لأن القصة الجيدة دائما وأبدَا أقوى من الزمن.