عمرو أبوالعطا
في ذلك اليوم الخريفي من عام 1839، حين جلس روبرت كورنيليوس أمام كاميرته البدائية المصنوعة من الزجاج والنحاس، محافظاً على ثباته الدقيق لمدة تراوح بين ثلاث إلى خمس عشرة دقيقة، لم يكن يدري أنه كان يؤسس، بإرادته الواعية، لفعل ثقافي وفلسفي سيهيمن على المخيال الجمعي للبشرية بعد قرنين من الزمن. تلك الصورة الشاحبة، التي تُظهر شاباً أشعث الشعر بنظرة جادة وحازمة، كانت البذرة الأولى لظاهرة «السيلفي» التي نعرفها اليوم. لكن تقليل هذه اللحظة إلى مجرد سابقة تقنية هو إغفال لجوهرها الأعمق؛ فهي تمثل لحظة الالتقاء التاريخي بين تطور التكنولوجيا والرغبة الإنسانية الأزلية في تمثيل الذات وتوثيقها، وفي خلقها.
فالسياق الذي ولدت فيه هذه الصورة لم يكن منعزلاً عن المخاض الكبير لعصر النهضة الصناعية والفكرية. كان العالم الغربي يتحول من مجتمعات زراعية تقليدية إلى كيانات حديثة تُقدِّس الفرد والاختراع والعلم. في هذا المناخ، جاءت الفوتوغرافيا كتتويج لحلم طويل: القدرة على اختزال الواقع، بنوره وظله، إلى أثر مادي دائم. ولكن ما فعله كورنيليوس كان مختلفاً. ففي الوقت الذي كان فيه معظم رواد التصوير يسعون لتوثيق العالم الخارجي – المعمار، الطبيعة، الشخصيات البارزة – اختار هذا الشاب أن يوجّه العدسة نحو نفسه. هذا التحول في الزاوية، من الخارج إلى الداخل، من «الآخر» إلى «الأنا»، هو ما يحمل المغزى الجوهري. لقد حوّل الكاميرا من أداة للملاحظة الموضوعية إلى مرآة ذاتية. بفعله هذا، لم يوثق ملامح وجهه فحسب، وثق أيضا لحظة من الوعي الذاتي الحديث: أنا هنا، أنا حاضر، وأستطيع، باستخدام أدوات العصر، أن أخلق تمثيلي الخاص.
يشير هذا الفعل إلى مفهوم عميق حول العلاقة بين التكنولوجيا والهُوية. فقبل التصوير الضوئي، كانت صور الأشخاص حكراً على الأثرياء والنبلاء الذين يستطيعون تكليف رسامي البورتريه. كانت تلك الصور تمثيلاً مُسْتأجراً للذات، يمر عبر عين وتقنية وشخصية فنان آخر. أما صورة كورنيليوس، فكانت نقلة نوعية: الفرد يلتقط صورته بنفسه. إنه إعلان عن الاكتفاء الذاتي في تمثيل الهوية. إنها سيادة على الصورة، وإن كانت مؤقتة، قبل أن تستعيد الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لاحقاً السيطرة على هذه العملية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. إن تلك الدقائق الطويلة التي قضاها جالساً بلا حراك تتحدث عن إرادة هائلة لإثبات الوجود. فالتعريض الطويل كان يتطلب نوعاً من التأمل القسري، مواجهة مع الذات أمام عدسة صامتة، ربما سأل فيها الإنسان نفسه السؤال القديم الجديد: من أنا؟
من هذه اللحظة التأسيسية، يمكننا تتبع الخط الطويل الذي أوصلنا إلى «عصر السيلفي». فمسار التكنولوجيا، من كاميرات الداجيرية الضخمة إلى الهواتف الذكية الرقيقة، كان في جوهره مساراً لتسهيل وتيرة وتسريع عملية الحصول على هذه الصورة الذاتية. ظهور كاميرات «البولارويد» اللحظية، ثم الكاميرات الرقمية، فالكاميرات الأمامية في الهواتف، لم يكن إلا خطوات متتالية نحو جعل فعل «رؤية الذات فوراً» ممكناً. كل ابتكار تقني قضى على حاجز من الحواجز التي تفصل الراغب في الصورة عن صورته. ولكن بينما اختزلت المدة من دقائق طويلة إلى جزء من الثانية، تعقدت الدلالات الاجتماعية والنفسية للفعل نفسه.
فما بدأ مع كورنيليوس كفعل استكشافي فردي، وربما علمي، تحول في العصر الرقمي إلى ظاهرة جماعية معقدة. السيلفي المعاصر لم يعد مجرد توثيق للذات، أصبح أداة اتصال، ووسيلة لبناء السرد الشخصي، وعملة في اقتصاد الانتباه. الصورة الذاتية اليوم تُلتقط غالباً بقصد المشاركة الفورية، مما يجعلها حواراً بصرياً مع «الآخر» المتخيل – المتابع، الصديق، الجمهور. لقد انتقلنا من لحظة التأمل الفردي أمام العدسة إلى لحظة الأداء الجماعي أمام العالم. هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية: هل فقدت الصورة الذاتية صفتها «الذاتية» الحميمة لتصبح منتجاً جماهيرياً؟ أم أنها اكتسبت بعداً جديداً كشكل من أشكال الكتابة البصرية للهوية في العالَم الافتراضي؟ يجب أيضاً ألا نغفل التناقض الكامن في قلب هذه الظاهرة. فمن ناحية، يمثل السيلفي شكلاً من أشكال التمكين؛ فهو يمنح الأفراد، وخاصة من المجموعات التي ظلت صورتها مسيطراً عليها من قبل وسائل الإعلام التقليدية، سلطة سرد قصتهم ورسم صورتهم بأنفسهم. إنه فعل مقاومة بصري ضد التمثيل الأحادي. ولكن من ناحية أخرى، يُنتقد السيلفي باعتباره ذروة النرجسية الثقافية في عصر يقدس المظهر والاستعراض. إن الدافع لالتقاط الصورة الذاتية المثالية، وتحريرها، ومشاركتها، والانتظار القلق للتفاعل معها، يمكن أن يحول علاقة الفرد بذاته إلى حلقة مفرغة من القلق والمراقبة الذاتية المستمرة. وهنا نرى أن السيلفي لم يخلق هذه التوترات، لكن كشف عنها وعمل على تضخيمها، فهو المرآة التي تعكس إشكالية الهوية في عالم متسارع ومترابط.
إن إعادة النظر في صورة روبرت كورنيليوس الأولى ليست إعادة لسرد قصة أصل تقنية، هي فرصة للتأمل في الرحلة الطويلة للرغبة الإنسانية في تمثيل الذات. من ذلك الفناء في فيلادلفيا، حيث احتاج الأمر إلى صبر علمي وإرادة جسدية، إلى كل ركن في عالمنا اليوم حيث يرفع شخص هاتفه في لمح البصر، يمتد خيط متصل. هذا الخيط هو بحثنا المستمر عن أنفسنا عبر الوسيط المتاح.
السيلفي، في نهاية المطاف، هو أكثر من صورة؛ هو فعل فلسفي معاصر. هو السؤال «من أنا؟» مُصاغاً ليس بالكلمات، بل بالبكسلات والضوء، ومُوجَّهاً ليس إلى المرآة القديمة، إلى شبكة لا مرئية من العلاقات والتوقعات. وفي هذا الضياع والاكتشاف الذي نعيشه كل يوم عبر شاشاتنا، ما زلنا، بشكل أو بآخر، نردد فعل كورنيليوس الأصلي: نوجّه العدسة نحو أنفسنا، محاولين، ولو للحظة، أن نثبت وجودنا، ونفهمه، ونشاركه مع عالم قد يبدو أوسع من ذلك الفناء الخريفي، ولكنه أيضاً أكثر غموضاً وتعقيداً.