مرفت بخاري
ليست الحياة مسارًا مستقيمًا كما نحب أن نتصوّرها، بل سلسلة من التحولات التي تختبر قدرتنا على الوقوف بعد كل سقوط.
والانكسار، مهما بدا قاسيًا، ليس نهاية الرحلة، بل لحظة فاصلة يُعاد فيها تشكيل الإنسان من الداخل. فمن لا ينكسر لا يتعلّم، ومن لا يتألّم لا يعرف معنى النضج، ومن لم يُجبر على التخلّي، لن يفهم قيمة البداية الجديدة.
التخطي لا يعني النسيان، ولا القفز فوق الجراح، بل الاعتراف بها أولًا، ثم التعامل معها بوعي؛ فالبدايات الحقيقية لا تُولد من الراحة، بل من لحظات الهشاشة التي يظن الإنسان فيها أنه فقد كل شيء، بينما هو في الحقيقة يُمنح فرصة أخرى ليبدأ من نقطة أنضج، وقلبٍ أكثر اتساعًا. وكل من تعلّم النهوض بعد الانكسار، يدرك أن القوة ليست في عدم السقوط، بل في القدرة على الوقوف دون أن نفقد أنفسنا.
أما الابتلاء، فليس عقوبة كما يظنه البعض، بل رسالة خفيّة، يحملها الله للإنسان ليعيد ترتيب أولوياته. فالابتلاءات تكشف معادن النفوس، وتُهذّب الروح، وتُعلّم الصبر بمعناه العميق؛ الصبر الذي لا يعني الاستسلام، بل الثبات مع السعي، والرضا دون تعطيل للحياة. فمن صبر، لم يكن ضعيفًا، بل كان أكثر وعيًا بحكمة التأخير، وأكثر إيمانًا بأن لكل وجع توقيتًا ينتهي عنده.
كثيرون خرجوا من علاقات استنزفت أرواحهم، لا لأنهم لم يحبّوا بصدق، بل لأنهم تعلّموا متأخرين أن الحب لا يُقاس بكمية التنازل، الانفصال هنا لم يكن فشلًا، بل لحظة وعي أن البقاء في علاقة مؤذية هو الانكسار الحقيقي، وأن التخلي أحيانًا هو أول أبواب النجاة، نرى أبناءً نشأوا في بيوت مضطربة، افتقدوا الدعم أو الأمان، لكنهم اختاروا ألّا يكون ماضيهم ذريعة لتكرار الألم، كبروا وهم يحملون وعيًا مختلفًا، وبنوا أسرًا أكثر صحة، وكأنهم قرروا أن تكون معاناتهم نقطة تحوّل، لا لعنة ممتدة، هناك من قاوم التغيير طويلًا، انتقال مدينة، تبدّل وضع مادي، أو تغيّر دور اجتماعي. لكنه حين استسلم للفكرة، اكتشف أن الحياة كانت تدفعه لنسخة أنضج منه، أكثر انسجامًا مع واقعه الجديد، وأقرب لسعادته مما كان يظن.
وفي طريق التعافي، يبرز التسامح كأحد أكثر المفاهيم التباسًا. فالعفو لا يعني السماح بتكرار الأذى، ولا يعني محو الذاكرة، بل هو قرار داخلي بتحرير النفس من ثقل الكراهية.
أما التسامح، فهو مرحلة أعمق، يصل إليها من نضج بما يكفي ليفصل بين الفعل وصاحبه، وبين الألم والانتقام، وقد يعفو الإنسان دون أن يُعيد القرب، ويسامح دون أن يُعيد الثقة؛ فلكل مقام حدوده، ولكل قلب طاقته التي يجب احترامها. وحين يتقبّل الإنسان التغيير، يتبدّل تعريف السعادة لديه، فالسعادة لا تعني ثبات الظروف، بل المرونة في التعامل معها، أن نُدرك أن بعض الأبواب أُغلقت لتفتح أخرى، وأن بعض النسخ القديمة منا كان لابد أن تنتهي، لنصبح أكثر انسجامًا مع ذواتنا الجديدة، فالتغيير ليس خصمًا، بل حليفًا خفيًا، يقودنا إلى أماكن لم نكن لنهتدي إليها ونحن متمسكون بما اعتدناه.
كم من إنسانٍ ظنّ أن فصله من عمله نهاية، وأن سنوات جهده ذهبت سدى، ثم اكتشف لاحقًا أن ذلك الإقصاء كان دفعًا خفيًا نحو مسار أوسع، بعضهم بدأ مشروعه الخاص، وآخر أعاد اكتشاف قدراته التي كانت مطمورة تحت روتينٍ قاتل، فالخسارة التي أوجعته يومًا، صنعت له استقلالًا لم يكن ليجرؤ على التفكير فيه.
في نهاية الأمر، لا يخرج الإنسان من التجارب كما دخلها. إما أن يخرج أقسى، أو أعمق.
والأذكى هو من اختار العمق، واختار أن يجعل من الألم معبرًا، لا مستقرًا، فكل انكسار يحمل في داخله بذرة بداية، وكل صبر صادق يثمر طمأنينة، وكل تسامح واعٍ يحرّر القلب من أثقاله وهكذا، تصبح الحياة أقل قسوة، لا لأنها تغيّرت، بل لأننا تغيّرنا بما يكفي لنفهمها.
كونوا بخير..