د.عبدالله بن موسى الطاير
تخيل معي أن جيفري إبستين، لم يكن يهوديا غربيا، بل مسلم عربي أو أعجمي، لا فرق، وأنه يدعى جعفر أبو ستين. كيف سيتعامل الغرب مع جريمته؟
عناوين عاجلة باللون الأحمر على الشاشات، وبالبنط العريض على صفحات المواقع عن «هجوم إسلامي على حضارتنا الغربية، وقيمنا المشتركة»، وأن «مسلما ثريا يدير شبكة إرهاب جنسي مستوحاة من الشريعة»، وأن «أبو ستين يسترّق الفتيات الغربيات وفقا للشريعة الإسلامية».
لن يسأل الإعلام عن جعفر، وما إذا كان صالحا، أو زعيم عصابة، أو تاجرا فاسدا، أو حتى قوادا سيئ السمعة، كل ذلك غير مهم، فالأسئلة المستفزة ستكون عن بلده، والبلدان الإسلامية التي عمل أو عبر من خلالها، وعمّن علّمه، ومن ربّاه، ومن موّله، ولماذا لم يُغلق ذلك المسجد القريب من منزله؟ ولماذا لم تراجع مناهج التعليم التي درسها؟ وسيوجه النقد للنصوص الدينية من قرآن وسنة، وسيكون تعدد الزوجات والحجاب والمحرم والولاية والحور العين في الجنة في قلب الحملات الإعلامية.
سيستضاف خبراء في التطرف «الإسلامي»، بدلا من متخصصين في القانون الجنائي، وستُحلَّل الآيات والنصوص الشرعية بدل الأدلة المادية والقرائن، وسيُطلب من المسلمين إدانة الجريمة كل صباح، لأن إدانة الأمس لم تكن كافية. سيستنفر كتبة مسلمون ليبراليون يدلون بوجهات نظر من داخل الإسلام عن إرث الجواري في حضارتهم، وعن زواج القاصرات، ونهم الجنس الذي يحلل تعدد الزوجات وحوريات الجنة للرجل الواحد.
سيظهر على الشاشات وفي المنصات الإلكترونية خبراء يتحدثون عن «جهاد النكاح»، وستستدعى صور أرشيفية للمرأة في أفغانستان، وفي المجتمعات الإسلامية المحافظة، تصور الخمار والعباية والشادر على أنها أغلال الإسلام التي تستعبد المرأة، ولن ينظر أبدا لبدلة جعفر أبو ستين التي أنتجتها أغلى وأبرز العلامات التجارية الغربية في الأزياء، إنما سيبحثون له عن صور بزي إسلامي، فإن لم يجدوا جعلوا الذكاء الاصطناعي يتولى المهمة.
سيخطب سياسيون، تتمعر وجوههم أمام الكاميرات، ليدفعوا بأنها ليست جريمة فردية، بل تهديدا وجوديا يمثله الإسلام الراديكالي على نمط الحياة الغربي. البرلمانات ستعقد جلسات طارئة تقنن حظر الهجرة من الدول الإسلامية، ومنع بيع الجزر للتجار المسلمين، وسيربطون بين استغلال أبو ستين القاصرات وبين الثقافة الإسلامية التي «تكره» المرأة.
منصات العدالة ستصدر في الحال مذكرات إيقاف دولية في غضون ساعات بحق جعفر، وكل جعفر، ومن يحتوي اسمه على «أبو»، فجريمته ليست شخصية وإنما ضد الإنسانية. وستحاكم الدول الإسلامية، وستفرض عليها حزم جاهزة من العقوبات، لأنها شريكة في الجريمة، ولأن البترودولار سبب في ثروة جعفر الذي يتجسس لصالح القوة الإسلامية التي تتربص بالغرب. وسيرثى لحال إسرائيل التي ستكون ضحية رئيسية في السردية، لأن الإسلام يهددها في وجودها، وهي في خط المواجهة الأمامي.
لن يُسأل كيف تحركت طائرات النخب الخاصة إلى الجزيرة، بل كيف تحركت الأفكار، لذا ستراقب الجاليات المسلمة، وتُوسَّع قوائم الاشتباه، وتُضاف أسماء لا علاقة لها بالقضية سوى أنها تشترك في الاسم أو الدين، فمطاردة الهوية بدل الجريمة مهمة أسهل لسلطات تنفيذ القانون.
كل مسافر مسلم سيكون متهما حتى يثبت العكس، سترمقهم نظرات الازدراء في المطارات الغربية، وكأنهم أقارب في الدم والنسب لأبي ستين، حتى حقائبهم سيتم التدقيق فيها ليس بحثا عن ممنوعات وإنما عن سياق حضاري قد يخبأ فيها. خارج التفتيش الرسمي، ستتناثر الأسئلة عن أبو ستين، وما إذا حصل وصليت معه الجمعة أو العيد في المسجد ذاته؟ وهل زرت جزيرته يوما؟ وكيف كان يمارس أعماله الجهادية الجنسية ضد القاصرات؟ نظرات الارتياب التي شاعت بعد 11 سبتمبر 2001 ستتكر وبقسوة؛ الشك لا يحتاج إلى دليل، فالسياق الديني والثقافي يكفي لتبريره.
منصات حقوق الإنسان ستنشط ببياناتها ولقاءات أعضائها مع الإعلام، وسوف تصدر تقاريرها عن الإسلام والاستغلال الجنسي. أما الخبراء الغربيون فسوف يستطردون في شرح كيف أن الثقافة العربية الإسلامية متورطة في هذا الفعل الفاضح، فالموضوع يتعلق بمحاكمة دين وثقافة أمة وليس مجرد جريمة شخصية كما حدث من المدعو جيفري.
حملات عالمية ستدشن لإيقاف الإسلام قبل أن يدمر أطفال الغرب، وسيصاحب ذلك صور لفتيات غربيات بائسات، حزينات، وبخلفية من المآذن والمعالم الإسلامية لاستدرار عطف الرأي العام والإمعان في شيطنة المسلمين.
الناشطات النسويات سيملأن الشوارع نعيقا، ويتجمهرن أمام سفارات الدول والمساجد والمراكز الإسلامية، وستبذل أموال طائلة لتخبيب وتحريض النساء المسلمات، وسيقترح حذف آيات من كتاب الله. وإذا تجرأت دولة إسلامية بالتوضيح أنها جريمة شخصية، فستتهم بالدفاع عن الإرهابيين، وستحرم من المنابر الدولية، وستكون مدخراتها في البنوك الغربية هدفا للمصادرة تعويضا للضحايا وأسرهن.
إنها المعايير المزدوجة؛ هم يعرفون أننا نعلم، وبعضهم يعلم أن هذا مجرد نفاق يُبرر باستدعاء منظومة الأخلاق والقيم الخيرية الغربية في وجه الآخر الذي كله شر. نفاق يسوق على أنه مقدس ليدلس على الرأي العام. الإيجابي في الأمر أن هذه السردية تواجه تحديا مصيريا يتمثل في حالة الوعي التي تجتاح صفوف الشباب في الغرب.