عماد الصاعدي
لم يكن حديث الرئيسة التنفيذية للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، جمانا الراشد، حديثًا عابرًا في المشهد الإعلامي السعودي خلال ملتقى «الاستثمار بحر»، بل جاء بوصفه قراءة تحليلية عميقة للأزمة المالية التي تواجه المؤسسات الإعلامية بمختلف أنواعها، ولا سيما في ما يتعلق بتراجع المداخيل الإعلانية، ولم تكتفِ الراشد بتشخيص الأزمة، بل طرحت حلولًا ملائمة لهذه المرحلة، عبر تبنّي نموذج مالي جديد، مبينةً أن نجاحه يرتكز على ثلاثة عناصر رئيسة: بناء الثقة، وخلق الارتباط، وجذب الانتباه، بما يسهم في تحقيق العائدات وتعزيز الاستثمار في تجارب إعلامية قائمة على المحتوى والسرد القصصي، وهو ما ينعكس مباشرة على تنمية العلامة التجارية.
حديث الراشد يفتح آفاقًا واسعة لفهم هذا النموذج المالي وملاءمته للمرحلة المقبلة، ويكشف عن تحول جذري بات ضرورة ملحة لا خيارًا، يقوم على دراسة متطلبات جمهور أصبح أكثر وعيًا، ويميل إلى المحتوى السريع والمجاني.
ومن هُنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه من الإجابة: كيف يمكن استعادة ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية؟
والإجابة تكمن في طرح الآراء، وتجديد الأفكار، وتقديم محتوى ترفيهي ذكي يتناسب مع فكر هذا الجيل ونمط عيشه، إلى جانب المراجعة الواقعية لنماذج الإيرادات التقليدية، والاهتمام بالقارئ بوصفه شريكًا في العملية الإعلامية، عبر فهم متطلباته لا ملاحقته، ولعل تجربة صحيفة The New York Times في تبنّي نموذج الاشتراكات الرقمية تمثل مثالًا على نجاح هذا التحول، إذ تجاوز عدد مشتركيها الرقميين عشرة ملايين مشترك، في دلالة واقعية على أن الثقة والمحتوى الجيد ما زالا الركيزة الأهم في صناعة الإعلام.
ومع تنامِي المنصات الرقمية وبرُوزها أصبح العائد المالي لا يتناسب مع الجهد التحريري في كثير من الأحيان، ما يضع المؤسسات في ورطة بالاستغناء عن الكثير من الكفاءات ونموذج لأزمة اقتصادية لم تعُد مناسبة لهذا التحول الرقمي.
ومن النماذج الاقتصادية في هذا التحول نموذج منصة «شاهد» وانتقالها من البث إلى المنصة والاستثمار في المحتوى الأصلي والحصري وبما يتناسب مع عادات الأسرة المتكاملة بفئات العمر المختلفة، والميزة التي جعلتها تتصدر عن البقية هي تحسين تجربة المستخدم وسهولة الوصول مما جعلها رفاهية مهمة بين التطبيقات.
ختامًا، من هذا السياق، يبقى التحدي الأكبر أمام المؤسسات الإعلامية هو تحقيق الاستمرارية عبر المرونة وتجنب المبالغة في الاشتراكات المدفوعة والرمزية منها نموذجًا ناجحًا للاستدامة المالية.