د. منصور المالك
ستتحول المملكة العربية السعودية خلال السنوات القليلة القادمة من تصدير النفط إلى منظومة طاقة متكاملة تقود مستقبل العالم في الطاقة.
ففي وقتٍ يشهد فيه العالم تحولات عميقة في أسواق الطاقة، تبرز المملكة العربية السعودية الدولة الوحيدة القادرة ليس فقط على الحفاظ على مكانتها التاريخية كمصدر رئيسي للطاقة، بل على إعادة تعريف مفهوم تصدير الطاقة عالميًا، ليشمل النفط والغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين ومشتقاته.
لم يعد السؤال: هل تستطيع السعودية أن تبقى لاعبًا رئيسيًا؟
بل أصبح: كيف ستقود السعودية سوق الطاقة العالمي بشكله الجديد؟
وكيف ستحول السعودية إرثها النفطي التاريخي إلى نفوذ شامل في عالم الطاقة العالمي الجديد. فعلى مدى عقود، كانت السعودية العمود الفقري لأمن الطاقة العالمي بفضل احتياطياتها الهائلة من النفط وتكلفة الإنتاج المنخفضة وطاقتها الإنتاجية الجاهزة لحل الأزمات العالمية. هذه القدرات بالإضافات إلى السياسات الحكيمة منحتها قدرة فريدة على ضبط التوازن في الأسواق الدولية. هذا الإرث لم ينتهِ، بل تحوّل اليوم إلى قاعدة صلبة للانتقال نحو منظومة طاقة أوسع وأكثر تنوعًا.
فبينما لا يزال النفط والغاز عنصرين أساسيين في مزيج الطاقة العالمي، تدرك الرياض أن المستقبل لن يكون أحادي المصدر، بل قائم على تنويع مصادر الطاقة وتكاملها.
تمتلك السعودية واحدة من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، إلى جانب مساحات شاسعة غير مستغلة، ما يجعلها بيئة مثالية لإنتاج الكهرباء الشمسية وبتكلفة تعد من الأدنى عالميًا. هذه الميزة لا تعني فقط إنتاج طاقة نظيفة للاستهلاك المحلي، بل تصدير طاقة منافسة سعريًا للأسواق الدولية.
ومع تطور تقنيات الربط الكهربائي، تبرز سيناريوهات واقعية لتصدير الكهرباء الخضراء إلى دول الجوار، ومنها إلى أوروبا، عبر شبكات إقليمية متقدمة.
تمتلك السعودية إمكانية جعل الهيدروجين والأمونيا جواز العبور لأسواق المستقبل.
إذ تُعد السعودية من أوائل الدول التي انتقلت من الحديث عن الهيدروجين إلى تنفيذ مشاريع عملاقة لإنتاجه وتصدير مشتقاته. هذه المنتجات تمثل اليوم الحل العملي لنقل الطاقة النظيفة عبر البحار، وتُعد مطلوبة بشدة في أوروبا وشرق آسيا لإزالة الكربون من الصناعات الثقيلة.
ومع توافر الطاقة المتجددة الرخيصة، والمياه المحلاة، والبنية التحتية اللوجستية المتقدمة، تمتلك السعودية القدرة على تقديم أقل تكلفة طاقة نظيفة «مُسلّمة للمشتري» عالميًا، وهو العامل الحاسم في المنافسة الدولية.
كذلك تمتلك السعودية موقعاً جغرافياً يصنع فارق التصدير فهي تقع في قلب طرق التجارة العالمية، مطلة على البحر الأحمر والخليج العربي، وقريبة من أكبر أسواق الاستهلاك في آسيا وأوروبا وأفريقيا. هذا الموقع يقلل تكاليف النقل، ويمنحها أفضلية استراتيجية في تصدير النفط والغاز والطاقة النظيفة ومشتقاتها.
ويمكن للسعودية أن تتحول من تصدير الطاقة إلى تصدير الصناعات فالميزة الأهم في النموذج السعودي الجديد أنه لا يكتفي بتصدير الطاقة الخام، بل يتجه إلى تصدير منتجات مصنَّعة باستخدام الطاقة النظيفة، مثل: الأسمدة الخضراء والوقود المستدام للطيران والبتروكيماويات منخفضة الانبعاثات والفولاذ الأخضر.
هذا التحول يضاعف القيمة المضافة، ويعزز مكانة السعودية ليس كمورد طاقة فقط، بل كمركز صناعي طاقي عالمي.
تأتي أهمية الرؤية طويلة المدى والاستقرار التشريعي ما يميز التجربة السعودية عن غيرها هو أن التحول الطاقي مدعوم برؤية دولة واستثمارات سيادية طويلة الأجل، ضمن إطار رؤية السعودية 2030. هذا الاستقرار يمنح المستثمرين والشركاء الدوليين ثقة نادرة في مشاريع تمتد لعقود.
الخلاصة أن السعودية اليوم ليست مجرد دولة تنتج الطاقة، بل دولة تصنع مستقبل الطاقة. فبمزيج فريد من الموارد الطبيعية، والتكلفة المنخفضة، والموقع الاستراتيجي، والبنية التحتية، والرؤية الواضحة، تمتلك المملكة جميع المقومات لتكون أكبر مُصدِّر للطاقة إلى العالم، بشقيها التقليدي والنظيف، لعقود قادمة.
إنها ليست مرحلة انتقالية عابرة، بل إعادة صياغة كاملة لدور السعودية في الاقتصاد العالمي.