عبدالعزيز صالح الصالح
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة آية (183).
وقال نبي الرحمة محمد بن عبدالله ، صلوات الله وسلامه: (اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا) أخرجه الطبراني.
وقال عليه الصلاة والسلام: (لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم والصيام نصف الصبر) اخرجه البزار وابن ماجه.
وقال الشاعر الحكيم:
أتى رمضان مزرعة العباد
لتطهير القلوب من الفساد
فأد حقوقه قولا وفعلاً
وزادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب بغير سقي
تأوه نادمًا يوم الحصاد
فقد جاء في فضل الصيام احاديث عديدة منها قوله -صلى الله عليه وسلم-: قال الله عز وجل: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وانا اجزي به). وقال عليه الصلاة والسلام: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.
فالمقصود من الصيام حبس النفس البشرية عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية ويكسر الجوع والظمأ من حدة سورتها ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسن كل عضو منها.
وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه فهو لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقربين وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال فإن الصائم لا يفعل شيئاً وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده. فهو يترك محبوبات النفس البشرية وتلذذاتها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه. والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة. أما كونه ترك طعامه وشرابه من أجل معبوده فهو أمر لا يطلع عليه بشر وذلك حقيقة الصوم.
حيث إن للصوم تأثيرا عجيبا في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، ومن دعاء الصديق أبي بكر رضي الله عنه: (اللهم لا تدعنا في غمرة، ولا تأخذنا على غرة، ولا تجعلنا من الغافلين).
ومن دعاء الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مما يشعر باغتنام الفرص للتزود منها من الخير: (اللهم ارزقني البركة في الأوقات وإصلاح الساعات، أي عمارتها بالنافع من الباقيات الصالحات). ويقول سيد الأمة محمد بن عبدالله، صلوات الله وسلامه عليه: (ليس الصيام من الأكل والشرب، وإنما الصيام من اللغو والرفث).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسم يبشر أصحابه ويقول ( قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنات، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم).
فإن سيد الشهور كانت له السيادة والمكانة الرفيعة في القلوب المؤمنة ومن أجل ذلك أيضاً استنهض الرسول -صلى الله عليه وسلم همم أمته لاستباق ميادين الخير فقال: (لو يعلم العباد ما في رمضان – أي من الفضل العظيم والشرف الرفيع والمميزات التي اختصه الله بها - لتمنت أمتي أن يكون السنة كلها).
فقد جاء في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه: (من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير كن كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه).
فقد قال الشاعر الحكيم:
إذا رمضان أتى مقبلاً
فأقبل فبالخير يستقبل
لعلك تخطئه قابلاً
وتأتي بعذر فلا يقبل
فقد قال الصحابي الجليل جابر بن عبدالله رضى الله عنه: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك) أي لا تجعل مجالاً للإصغاء إلى محرم ولا تتسع أبعاد نظرك للرؤية المريبة والنظرة الخائنة - (وليصم لسانك عن الكذب والمحارم) أي لا تطلق لسانك فيما حرمه الله عليك كالغيبة والنميمة وما إليه من كبائر الذنوب - وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك) والسكينة والوقار سمت حسن وخلق كريم يتحلى به المسلم لا في الصوم فحسب بل في سائر العبادات ليطابق المظهر المخبر - فقد جاء في الحديث مما يؤيد أن الصيام يجب أن تتسع فيه الأبعاد فيشمل كل عضو (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) وقال أحد الشعراء هذا المعنى:
إذا لم يكن في الصوم مني تصاون
وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظمأ
فإن قلت إن صمت يوماً فما صمت
- فإن الصيام في نفسه مضاعف أجره إلى سائر الأعمال، فإن صيام شهر رمضان مضاعف على سائر الصيام، لشرف زمانه، وكونه هو الصوم الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على عباده والذي جعل صيامه أحد أركان الإسلام.
- فقد جعل شهر رمضان من الشهور القمرية، لتعم بركته جميع فصول السنة فالسنة شجرة، ورجب أيام إبراقها، وشعبان أيام ثمارها، ورمضان أيام قطافها.
شهر تقال فيه العثرات وتستجاب الدعوات ويباهي الله بأهل الأرض أهل السموات، فالمسلمون يرسموا أروع الأمثلة - فهم يقضون سحابة أيام شهر رمضان في إقبال مستمر على الله، بين ذكر الله وتلاوة كتاب الله الكريم وفي تنافس ألوان القرب إلى الله، من صدقة وإحسان وبر وصلة ومواساة للفقراء والضعفاء والأرامل والأيتام.
شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار ومن أبرز الأدلة على حسن معاملة الله في الصوم أن يكون عن إيمان صادق بأنه فريضة -على خلقه فرضها لمصلحة عبادة- يقوم بأدائها طيبة بها نفسه موقناً بجزائها محتسباً، عند الله كل ما يلاقيه فيها من جهد.
للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ منه كفر ما قبله وبهذا الشمول في الصوم يسمو الصائم إلى أكرم غاية ويحرز في عقباه أشرف نهاية - وصدق الله إذ يقول: (وأن تصوموا خير لكم).
والله وراء القصد.