محمود أحمد منشي
في ذكرى وفاة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله-، الذكرى الأولى نستحضر سيرة رجلٍ لم يكن مجرد أميرٍ في موقع المسؤولية، بل كان نموذجًا فريدًا في العمل الإنساني الخيري والتنموي، ورمزًا للقيادة القريبة من الناس، المؤمنة بأن خدمة الوطن تبدأ من خدمة الإنسان.
وُلد الأمير محمد بن فهد -رحمه الله- في بيتٍ عُرف بالحكمة، العلم، القيادة والسياسة، نهل من مدرسة والده خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز - طيب الله ثراه - قيم العدل، والإخلاص، والعمل الجاد. وقد تجلّت هذه القيم بوضوح خلال مسيرته الطويلة، خاصة حين تولّى إمارة المنطقة الشرقية، كان -رحمه الله- رجل في دولة ودولة في رجل ثاقب النظرة، حيث ترك بصمة لا تُنسى في مختلف مجالات البناء التنمية الأعمال الخيرية.
كان يقول في كثير من المناسبات أن الدول لا تُبنى إلا بعقول أبنائها ودعم أفكارهم فهم الذخيرة والوقود لرقي أوطانهم.. لم يكن الأمير محمد بن فهد داعماً للشباب فحسب بل كان مؤمناً في قدراتهم مُستثمراً في عقولهم حريصاً على أن يجد كل شاب فرصته ليحلم ليُحقق ما يصبو إليه من الطموحات.. سطر اسمه في سجل المجد بكل ما قدم لدينه، وطنه، قيادته وأمته حتى خارج الوطن.
تميّز سموه برؤية تنموية شاملة، آمنت بأن التطور الحقيقي لا يقتصر على العمران والبنية التحتية، بل يشمل الإنسان تعليمًا، وصحةً، وقيمًا. فشهدت المنطقة الشرقية في عهده نقلة نوعية في التخطيط الحضري، وتطوير الخدمات، وتحسين جودة الحياة، إلى جانب اهتمامٍ بالغ بالتعليم العالي، ودعم الجامعات، وتشجيع البحث العلمي. أن تحمل جامعة الأمير محمد بن فهد اسمه، ليبقى في عيون أبنائه الخريجين نبراساً مضيئاً ومثالاً يحتذى ورسالة تمضي بالأجيال إلى معارج العزة والسؤدد، كان سموه -طيب الله ثراه - نبيل في خلقه، حباه المولى رحابة الصدر، ليَن الجانب، كريم سخي في عطاءه للمحتاجين، يتمتع برباطة الجأش.
غير أن ما ميّز الأمير محمد بن فهد على نحوٍ خاص هو حضوره الإنساني. فقد كان قريبًا من الناس، يستمع لهم، ويشعر بآلامهم، ويعمل على تلبية احتياجاتهم دون ضجيج. ولم يكن العمل الخيري بالنسبة له واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل رسالة حياة. وتجسّد ذلك بوضوح في تأسيسه ودعمه للعديد من المبادرات والمؤسسات الخيرية والتنموية، وفي مقدمتها «مؤسسة الأمير محمد بن فهد للتنمية الإنسانية»، التي ركّزت على تمكين الشباب، ورعاية الأيتام، من خلال جمعية بناء، تأهيل الأسر أصحاب الدخل المحدود ليشقوا طريقهم في الحياة دعم وتهيئة الظروف للإنسان القادر على العطاء. دفع الموهوبين والمبتكرين والأخذ بأيديهم إلى المستقبل المشرق الوضاء.. كما أولى سموه اهتمامًا خاصًا بذوي الإعاقة، وحقوق الطفل، والعمل التطوعي، بالمنطقة الشرقية.. مؤمنًا بأن المجتمعات القوية تُبنى بتكافل أفرادها، وبإتاحة الفرص العادلة للجميع. وقد ترك هذا النهج أثرًا عميقًا في نفوس كل من تعامل مع سموه -رحمه الله- فكان مثالًا للقائد المتواضع، والحازم، والرحيم في آن واحد. كان الأمير محمد بن فهد لا تأخذه
في الحق لومة لائم، ينصر المظلوم ويردع الظالم ويوقفه عند حده.
في ذكرى وفاته، لا نرثي شخصًا غاب عن الدنيا فحسب، بل نستذكر إرثًا حيًا ما زالت آثاره ماثلة في المشاريع، والمؤسسات، والقلوب التي مسّها عطاؤه. لقد رحل الأمير محمد بن فهد، لكن نهجه في العمل الإنساني، وفلسفته في القيادة، ستبقى مصدر إلهامٍ للأجيال القادمة.
رحم الله الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز رحمةً واسعة، وجمعه -عز وجل- ووالديه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. في أعالي الجنان وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء. ستظل ذكراه حاضرة، وسيرته شاهدًا على أن القيادة الحقيقية تُقاس بما تتركه من أثرٍ طيبٍ في حياة الناس. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.