يسلو الإنسان فترة وتخبو الذاكرة فترات، إلا أن حياةَ الشخصِ المليئةُ بالإنجاز يظهر أثرها ولو بعد حين، قال تعالى: فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. ومترجمنا في هذه الصفحة من الذين سارت الركبان بسيرته وشهدت المحافل بحضوره، والمنابر الوطنية بصعوده ففطرة التضحية والكفاح هبة من الله يهبها لمن يشاء، وقد وفِقَ الشيخ عبد الله لينال حظاً كبيراً من ذلك.
ما كلُّ مَنْ يَمشِي يُرى في الأنامِ
بل كلُّ مَنْ يَمشي يُرى حيثُما كان
نبذة عن المترجم له:
ولد الشيخ عبد الله بن حمير بن سابر آل براز الرجباني الدوسري في مسقط رأس آبائه وأجداده باللدام بوادي الدواسر، بدأت طفولة مُترجمنا في رعي الغنم والتجوال في بادية وادي الدواسر ثم عاد إلى مسقط رأسه اللدام، التحق بمدرسة الدواسر سابقاً العقيق حالياً التي تأسست عام 1360هـ كأول مدرسة بوادي الدواسر، وبعد أربعة أشهر من التحاقه بالصف الأول قرر أستاذه الشيخ/ ناصر بن جمعان بن خشيم نقله إلى الصف الثاني، حيث كان مستواه يعادل الصف الثاني، تخرج من الابتدائية قبل سبعين عاماً.
وظائفه:
تنقل الشيخ عبد الله بن حمير السابر بين عدة وظائف في أكثر من مدينة، عاصر وقت الملك عبد العزيز، يلمس القارئ لسيرته تضحية على عتبات الطريق؛ حيث تجشم الشيخ عبدالله عناء الوقت من ركوب الدابة والمشي مسافة طويلة على الأقدام، وركوب الدراجة سواءً كان في سبيل تلقي العلم أو كسب الرزق، فمن أهم وظائفه كانت في سلك التعليم فقد كان معلماً بمدينة ليلى بالأفلاج ومن ثم معلماً بمدرسة بوادي الدواسر وتدرّج في وظائف إدارية أخرى.
أسندت إليه مهمة تدريس مواد العلوم الدينية، والتاريخ والجغرافيا واللغة العربية، وهو معلم، وأديب، وكاتب صحفي، وشاعر.
سماته:
بارٌ بوالديه، واصلٌ لرحمِه، مكرمٌ ضيفَه، أفصحت مواقفهُ عن لينِ طبعهِ ودماثة خلقه.
قيل فيه:
قال عنه الأستاذ مبارك الفاضل: رجلٌ صنعتهُ القساوةُ وصعوبةُ العيشِ فخرج من الصحراء طالباً العلم ومتنقلاً بين جنباته الفسيحة، خدم وطنه ومجتمعه في العديد من المناصب التعليمية الوظيفية وألّف عدّة كتب ومؤلفات تناولت تجربته الحياتية والعديد من جوانب تراثنا المجيد أ.هـ.
من أقوال الشيخ عبدالله بن حمير السابر:
يقول: أما المناهج في السابق فكانت تزخر بالمعلومات المكثفة في شتى العلوم والمعارف فمثلاً طالب المرحلة الابتدائية يدرس كتاب التوحيد حق الله على العبيد وهو كتاب ثري جداً، وكذلك يُدرس النحو الواضح في اللغة وغيرها وهي كتب تدرس بالجامعات حالياً. أ.هـ ومن أقواله أيضاً مطالباً بتسوير المقابر: إنها والله حقيقة مفجعة مرأى المقابر تتخذ طرقاً ودروباً يمرها الناس والدّواب! ما أقسى قلوبنا نحن البشر الأحياء حينما نقسو ونقسو على الأموات في قبورهم رموسهم ونتناسى مع الأسف الشديد أن مصيرنا مصيرهم .. ثم قال : وأكثر من هذا نمزق ستار كرامتهم بخطانا الآثمة .. وإنني أناشد بحرارة وبصراحة الحق ذوي القلوب الرحيمة .. إلخ.
وفي خضم مقالاته ومنشوراته يرتفع عنوانه «وللمزارعين نصيب في المطالبة بحقوقهم» قائلاً أنا من الزمن الجميل أيضاً ثم يليه العنوان التالي: رسالة وادي الدواسر،
وكذلك: من أجل الوطن والمواطن، وغيرها الكثير. فهل أتحدث عن بلاغة الخطاب وسريانه المؤثر على أوتار المشاعر أم عن النُبل؟ هكذا هي حياة الشيخ عبدالله تقلبٌ في رياض العطاء والأهداف السامية. أُجْريتْ معه لقاءات تلفزيونية من قبل -على سبيل المثال لا الحصر- الإعلامي ناصر السكران -رحمه الله- وكذلك الأستاذ مبارك بن سيف آل حميد الرجباني عبر قناة الصحراء، وتحدث عنه المذيع ناصر الراجح.
من قصائد عبدالله بن حمير السابر:
بمناسبة افتتاح مطار وادي الدواسر تقدم الأستاذ عبدالله في ذلك الحفل بإلقاء قصيدة من عرضها:
هلا يا أمير نعلنها ثمانين ألف ترحيبه
من رجال تحب ملوكها وتعزّ ناصيها
لفيتوا مرحبا في فتح مشروعً نهلي به
مطار يخدم الديرة ويرفع من معانيها
.. إلخ
الأرشيف الصحفي والصوتي لعبدالله بن حمير السابر:
يُعد هذا الأرشيف قديماً فتواريخه في الثمانينات هجرية إبّان النهضة التنموية بعد توحيد المملكة العربية السعودية، وما يميزه أيضاً بأنه مكتوب من قبل عدد من أهالي وادي الدواسر، كما أن محتوياته في الغالب تتعلق بالدوائر الحكومية في وادي الدواسر والأنشطة العامة في ذلك الوقت، وهذا الأرشيف صالح لمشروع مجلد يوضع فيه تلك المقالات لتبقى محفوظة وميسرة للقراء في المكتبات سواءً العامة أو الخاصة.
كما قام الشيخ عبدالله بن حمير السابر بتسجيل صوت شعراء الوادي قديماً في الأشرطة القديمة، وقد قام ابنه الأستاذ سعيد بن عبدالله بن حمير السابر الرجباني وآخرٌ اسمه (أبو رفعه الزمن الجميل) بجهودٍ تذكر فتشكر في إتاحة هذه المقالات والقصائد على الشبكة العنكبوتية حفظاً للموروث والتراث.
وفي الختام تذكرتُ في مُتَرْجِمنا البيت الشعري الذي يقول:
قضيت حياة ملؤها البر والتقى
فأنت بأجر المتقين جديرُ
الأستاذ عبد الله بن حمير السابر الرجباني (اسمٌ لا يغيب)، وإلى لقاء آخر مع علم من أعلام الجزيرة العربية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلاةً دائمة.
** **
بقلم: فهد الدهمش المسعري - مدير مكتب ركن الجبل للبحوث