د.عيد بن حجيج الفايدي
«سراب».. كلمة وردت في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا..} (39) سورة النـور.
ووردت أيضًا في صفحات الأدب ومتون الشعر. فهي ليست ظاهرة بصرية مخادعة تظهر وتختفي في وقت محدد فحسب، بل هي رمزية دائمة ومتجددة، لها أبعاد ودلالات حسب السياق. إنها رمز للوهم والخداع، يبدو من بعيد جذاباً ورائعاً، ولكن إذا اقتربت منه ودخلت ميدانه، تجد البون الشاسع بين الخطط والأحلام والتوقعات، وبين الواقع الذي يكشف عن فجوة معرفية كبيرة غير طبيعية.
والسراب - كما قال أبو تمام في قصيدته «مريع» (أي مخيف) - لأنه يحمل وعوداً كاذبة. وهذا ما حدث مع «الذكاء الاصطناعي» بعد أن اتسعت الفجوة بين الذكاء البشري والاصطناعي، وبعد انتشار مقاطع الفيديو «غير الحقيقية» في تطبيقات التواصل الاجتماعي. فهذه المقاطع خطيرة ومرعبة في الوقت نفسه.
فهذا رئيس دولة أوروبية يجتمع مع آخر عدو له في مشهد لا يمكن أن يجمع بينهما سقف واحد، ويتحدثان لهجة محلية مستحيلة عليهما، ويصعب على الإنسان العادي أن يشك في صحة المقطع أو أن يفرق بين الحقيقة والخيال.
بل إن هذه المقاطع فيها تشويه للثقافة والتاريخ. وحتى عندما يتأكد أنها مقاطع مزيفة، يُقال عنها إنها من صنع «الذكاء الاصطناعي». وهنا تكمن خطورة أخرى، فهي تنزع الثقة من المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، ويصبح الأخير مرادفًا للكذب، لتتسع الفجوة أكثر بين الحقيقة والخيال. (وحتى تكون مشاركًا إيجابيًا، تحقق من مصدر مقطع الفيديو قبل إرساله).
وسراب الذكاء الاصطناعي ظهرت له مسميات ومفاهيم مختلفة في الأوساط الأكاديمية والتقنية. فهو لا يُسمى خطأً أو كذبًا فحسب، بل يُوصف بـ«الفجوة الرقمية» أو «الهَلوسة» أو «الغباء الاصطناعي» أو «الانحياز» أو «الجانب المظلم» أو «التزييف العميق»، وكذلك يقال «فقدان الميثاق الأخلاقي» أو «الببغاء الرقمي» أو «التضليل» أو «السراب المعرفي». وقد استخدمت مراكز الأبحاث والجامعات العالمية هذه المفاهيم في كثير من الدراسات التي صدرت منذ سنوات.
وتم استعراض تحديات الذكاء الاصطناعي في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي (2026) من خلال محاور هامة، منها: حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية، ومبادرة دافوس للذكاء الاصطناعي، والتنسيق بين الدول لتقليل التناقضات بين اللوائح التنظيمية (الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، الصين)، وميثاق أخلاقي عالمي، ومناقشة معايير مشتركة لتطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي.
وكان من أهداف المنتدى زيادة النمو الاقتصادي عبر تبني الذكاء الاصطناعي، وتقليل الفجوة الرقمية بين الدول في تبني نماذج فعالة له. ومع كل هذه الجهود، لا يبدو أن الفجوة بين الحقيقة والخيال تقترب، بل تتسع أكثر وأكثر، ويمتد السراب أبعد في كل الجهات.
ومن التصريحات المثيرة للنقاش ما قاله «جينسن هوانغ» (Jensen Huang)، الرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA، عن بناء بنية الذكاء الاصطناعي بأنها «أكبر عملية بناء لبنية تحتية في تاريخ البشرية»، وأشار إلى أن العالم يحتاج إلى بناء «مصانع ذكاء اصطناعي» تتطلب (تريليونات الدولارات) في صناعة الرقائق ومراكز البيانات. هنا يمكن القول: ما الفائدة من صرف هذه المبالغ الطائلة، إذا كانت النتيجة تضخيم السراب المعرفي؟
أما التصريح المثير الآخر، فهو صادر من (ماسك)، الذي توقع «أن يفوق الذكاء الاصطناعي ذكاء البشر جميعاً بحلول العام المقبل (نهاية 2026 أو 2027)». وقال أيضًا إن «الروبوتات ستتجاوز أعداد البشر في المستقبل، مما سيؤدي إلى عصر الوفرة الشاملة»، وأعلن أن شركته ستبدأ بطرح روبوتات «أوبتيموس» (Optimus) الشبيهة بالإنسان بنهاية عام 2026 أو 2027م. ووعد ببناء مراكز معلومات في الفضاء الخارجي. وهذا نوع من السراب أو الخيال العلمي.. والمتابع لهذه الأقوال يزداد يقينًا بأن الفجوة بين الواقع والمبالغة تزيد ولا تنقص لأن عمل الإنسان مهما كان ذكيا لن يصل لمستوى الخالق سبحانه.
وعندما تتصفح المحتوى العربي على الويب، تجد أن اللغة العربية تحتل المرتبة الرابعة إلى السادسة بين لغات العالم من حيث حجم المحتوى على شبكة المعلومات، بعد اللغات الإنجليزية والروسية والإسبانية والألمانية أو الفرنسية. ونسبة هذا المحتوى لا تتجاوز 1-2% من إجمالي محتوى الويب، وهو رقم لا يتناسب مع عدد الناطقين بها الذي يفوق 400 مليون.
ومما يزيد الأمر صعوبة على من يريد ردم الفجوة المعلوماتية، تلك الحقائق المعروفة عن بنية المعلومات على الشبكة. فالمحتوى الذي يمكن الوصول إليه عبر محركات البحث العادية لا يتعدى 10% من إجمالي المحتوى، وهو ما يُعرف بالويب السطحي (Surface Web) أو الجزء الظاهر.
أما الجزء الأكبر، فيمثله الويب العميق (Deep Web) ، وهو محتوى مختلف ووراء جدران الحماية وكلمات المرور، مثل حسابات البريد الإلكتروني وقواعد البيانات الأكاديمية والملفات المالية، وطابعه الأساسي هو الخصوصية. وهناك أيضًا الويب المظلم (Dark Web)، وهو الجانب المظلم و لا يُدخل إليه إلا بأدوات خاصة.
ويضاف إلى ذلك تحديات مثل «فجوة الفهرس» (Index Gap)، حيث لا تفهرس محركات البحث كل المحتوى حتى في الويب السطحي، إذ تُقدر نسبة ما تفهرسه جوجل بما بين 30-50% منه فقط. وكذلك مشكلة المحتوى الديناميكي والملفات غير النصية والويب القديم المهمل.
فالحقيقة أن معلومات الويب ليست كلها معروفة. الجزء الأكبر مخفي وغير مفهرس، وبالتالي فهو «مجهول» بالنسبة لمحركات البحث والمستخدم العادي. وما نراه من خلال البحث ليس سوى قمة جبل المعرفة الرقمي.
ويبقى السؤال الهام: هل يمكن ردم الفجوة بين الحقيقة والخيال، ويذهب سراب الذكاء الاصطناعي؟
لعل وعسى.