رمضان جريدي العنزي
مدينة أنيقة، تُشبه وردة ربيعية جميلة، تتفتح وتزدهي بجمالها الخاص، تجمع بين الرقة والقوة، تماماً كالنبتة البرية التي تتحدى الجفاف وتزهر بألوان نادرة، محاطة بجبلي أجا وسلمى كإطار طبيعي مهيب، يعطيها شكلاً قوسياً رائعاً، بعد الأمطار، يتحول محيطها إلى بساط أخضر مرصع بنبات بري مثل القيصوم، والنفل، والشيح، والديدحان، والطلح، والرمث، والخزامى، فتصبح لوحة فنية حية، حائل ليست مجرد مدينة، بل قصيدة حية، وأيقونة للبهاء الرقيق، ممزوجة من هدوء الجبال الشامخة، واتساع الرمل، وشاهقات النخيل في البساتين العتيقة، لا تصرخ بجمالها، بل تهمس بهدوء يغسل الروح، الواحات الخضراء وسط الصحراء، والأودية التي تحمل أسرار التاريخ، تُغازل الرمال فتُذيب قسوتها بلمسةٍ من ماءٍ وعناقٍ من ظل، أوديتها تخبئ في طيّاتها أنفاس التاريخ، تُردّد صدى خطى القوافل، وتُغنّي للنجوم لحنَ الصمت الطويل، والناس الذين يفتحون بيوتهم وصدورهم بلا تردد بحاتمية تاريخية بعيدة المدى، مساجدها الشامخة، أسواقها العتيقة، مسطحاتها الخضراء، ومماشيها اللافتة للنظر، أرصفتها، لوحاتها الدعائية، وشوارعها النظيفة، مدينة لا تشبه أي مدينة، تستيقظ على ضوء خجول ينساب بين الأزقة كأنه يعرف الطريق منذ الأزل، بيوتها لا ترتفع لتتفاخر، بل تميل قليلاً كأنها تنصت للمارة، وجدرانها تحفظ أسرار الذكريات الخالدة، في حائل الوقت ليس سيداً متعجرفاً، يمشي ببطء، يتوقف عند زاوية، ويترك الناس يتأملوا وجوههم المتداخلة، روائح الخبز والقهوة تختلط مع نسيم قادم من مكان لا اسم له، أهلها بسيطون يبتسمون دائماً لكي يمنحوا الغريب شعوراً بأنه كان هنا من قبل.
حائل مدينة متوسطة الحجم، لكنها واسعها بحجم الحلم، تمنحك الهدوء دون أن تسألك، وتترك في قلبك أثرا لا يزول، حائل مدينة لا تكتفي أن ترى، بل تقيم في الروح، تمر بها عابراً، فتغادرك الأشياء، وتبقى هي، مدينة هادئة دون أن تكون مملة، الحركة فيها نشطة نهاراً، وتميل إلى السكون ليلاً، كأنها تحترم حاجة سكانها وزوارها للهدوء والسكون، حائل مدينة صالحة للعيش وللتفكير ولترتيب الحياة دون ضجيج، كل ذلك يجعلها تجربة إحساس قبل أن تكون مجرد مكان، حائل في عيون محبيها ليست وجهة سياحية عابرة، بل حالة روحية تبقى حية في الوجدان والذاكرة مهما ابتعد الإنسان عنها، حائلٌ ليست مكاناً تمرّ به الرحالة فحسب، بل حالةٌ روحيّة تُقيم في القلب، تعانقك بصمتٍ عميق، تُغسل روحك بماءِ هدوئها، ثم تتركك معلقاً بين الشوق والسكينة، كأنّك قرأت قصيدةً لم تنتهِ أبياتها بعد، إنها مدينة لا تزار مرة واحدة، إما أن تسكن القلب أو تظل تناديك كلما أغمضت عينيك، تظهر كحنين مفاجئ، وتختفي كأنها وعد لم يكتمل بعد.