د. منى بنت سعيد القحطاني
لم تعد استضافة المؤتمرات الكبرى في الرياض مجرد نشاط موسمي أو حدث علاقات عامة، بل أصبحت مؤشرًا دقيقًا على تحوّل أعمق في بنية التفكير، وفي طريقة إدارة المعرفة، وفي موقع العاصمة ضمن معادلة التأثير العالمي، ويأتي مؤتمر ICAN 2026 ليؤكد أن الرياض تجاوزت مرحلة «التعريف بالتقنية» إلى مرحلة أكثر نضجًا، تقوم على مساءلة الذكاء الاصطناعي، وتوجيهه، وربطه بالإنسان وصناعة القرار. ما يلفت في ICAN 2026 لا يقتصر على حجم الحضور أو تنوع الجلسات، بل يتجاوز ذلك إلى الإطار الذهني الذي أُديرت من خلاله النقاشات، فالذكاء الاصطناعي لم يُطرح كمنجز تقني مستقل، بل كعنصر فاعل ضمن منظومة أوسع تشمل التعليم، وبناء القدرات، وسوق العمل، والحوكمة، وصناعة القرار، وهذا الانتقال من سؤال «ماذا نملك؟» إلى «كيف نستخدم؟ ولماذا؟» يعكس بوضوح مستوى النضج الذي وصلت إليه الرياض في تعاملها مع التحولات الرقمية. ولم يكن انعقاد المؤتمر في جامعة الملك سعود اختيارًا مكانيًا محايدًا، بل دلالة استراتيجية تعكس مكانتها الأكاديمية والبحثية الراسخة، فقد بدت الجامعة خلال أيام المؤتمر فضاءً معرفيًا تُختبر فيه الأفكار قبل أن تتحول إلى سياسات، وتُناقش فيه القضايا المعقدة بعيدًا عن الخطاب السريع أو الانبهار التقني. هذا الحضور الأكاديمي منح المؤتمر عمقًا حقيقيًا، وجعل النقاش أقرب إلى التفكير المؤسسي منه إلى الاستعراض التقني.
الجلسات الرئيسة في المؤتمر قدّمت قراءة متزنة للتحول الرقمي، حيث جرى الربط بوضوح بين الذكاء الاصطناعي وبناء القدرات البشرية، لا بوصفه بديلًا عن الإنسان، بل اختبار حقيقي له.
فقد طُرحت أسئلة تتجاوز حدود التقنية إلى جوهر التأثير: كيف نعيد تأهيل المهارات؟ كيف نهيئ سوق العمل للتحولات القادمة؟ كيف نحول البيانات إلى قيمة تدعم القرار بدل أن تتحول إلى عبء إداري؟ وكيف نحافظ على مركزية الإنسان في منظومة تتسارع فيها الخوارزميات؟
وفي هذا السياق، عكس الحضور الكثيف والتفاعل اللافت خلال أيام المؤتمر بُعدًا إضافيًا لهذا التحول، فقد شهد ICAN 2026 مشاركة واسعة من الأكاديميين، والباحثين، وصنّاع القرار، والقيادات التنفيذية، إلى جانب ممثلين عن قطاعات التعليم، والتقنية، وسوق العمل وطلاب الجامعات، وهذا الحضور لم يكن حضورًا شكليًا أو بروتوكوليًا، بل حضور واع جاء بدافع الفهم والمشاركة في صياغة الأسئلة، لا الاكتفاء بتلقي الإجابات.
وهو ما يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا نخبوياً محصورًا في الدوائر التقنية الضيقة، بل قضية عامة تمس بنية المؤسسات، ومستقبل الوظائف، وجودة الحياة.
وتكمن أهمية هذا الحضور في هدفه قبل عدده؛ إذ مثّل مساحة للتلاقي بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق المؤسسي، وبين الرؤية الاستراتيجية والتحديات الواقعية. وقد أتاح هذا التنوع في الخلفيات والخبرات نقاشًا أكثر نضجًا وثراءً، تجاوز استعراض الحلول الجاهزة إلى مساءلة أثر التقنية وحدودها ومسؤوليات استخدامها. كما أسهم في بناء وعي جمعي يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مشروعًا مجتمعيًا طويل المدى، لا مجرد أداة تقنية سريعة التغير.
هذا الطرح يعكس إدراكًا متقدمًا بأن التحدي لم يعد في الوصول إلى التقنية، بل في إدارتها أخلاقيًا ومؤسسيًا. وهو إدراك يتسق مع مسار الرياض التي لم تعد تقيس تقدمها بسرعة التبني، بل بجودة التوظيف. فالعاصمة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كسباق قصير المدى، بل كمشروع استراتيجي طويل الأمد، يتطلب تخطيطًا، وبناء ثقة مجتمعية، واستثمارًا واعيًا في الإنسان.
ورش العمل المصاحبة شكّلت الامتحان العملي لهذا الخطاب، حيث انتقل النقاش من مستوى الرؤية إلى مستوى الممارسة. ولم تكن هذه الورش استعراضًا للأدوات، بل تدريب على التفكير، وعلى اتخاذ القرار، وعلى فهم حدود التقنية قبل إمكاناتها، وهو ما يعكس تحولًا مهمًا في ثقافة التعامل مع الذكاء الاصطناعي. أما الاتفاقيات والشراكات التي شهدها المؤتمر، فقد مثلت البعد التنفيذي لهذا الوعي المتنامي، وأكدت أن ما طُرح في الجلسات لم يكن خطابًا فكريًا معزولًا، بل جزء من منظومة عمل تتقاطع فيها الجهات الأكاديمية والتقنية والتنموية، وهي شراكات تشير بوضوح إلى انتقال الرياض من مرحلة المبادرات المتفرقة إلى مرحلة الأنظمة المتكاملة.
في المحصلة، لم يكن ICAN 2026 مؤتمرًا عن التقنية بقدر ما كان إعلانًا عن مرحلة جديدة من الوعي بها؛ مرحلة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه خيارًا استراتيجيًا طويل المدى، لا اندفاعًا عابرًا، وتربط نجاحه بقدرة الإنسان على توجيه مساره.
وهكذا بدت الرياض: عاصمة تبني علاقتها بالمستقبل على الفهم والتخطيط، وتقدّم الاستثمار في الإنسان بوصفه الأساس الحقيقي لأي تحول.
وهذا هو الفارق بين مدينة تتغير.. ومدينة تقود التغيير.
** **
- خبيرة تربوية في تطوير المناهج وطرق التدريس