صالح الشادي
في معمعة الحياة الحديثة وتشابك الأدوار، كثيرًا ما نبحث عن نموذج للعلاقة بين الرجل والمرأة يتجاوز النزاع إلى الانسجام. وقد نجد مفتاحًا لذلك في حوار بسيط، دار بين أول كائنين بشريين، حين سأل آدم حواء: «لِمَ خُلقت؟» فأجابت بإجابة تختزل فلسفة كاملة: «لِأُسْكِنَ إِلَيْكَ.. أو لتسكن إليْ».
هذه الكلمة -»أسكن»- ليست مجرد استقرار مكاني، بل هي خطاب موجه إلى الفطرة: «لتتوقف عن حركتك عندي، يا رجل. لتستريح من عناء السعي، وليكون في وقفتك هذه تجديدٌ لقواك.» فهي تقدّم له «السكن» بمعنى السكون الحركي المؤقت، الذي يعيد شحن طاقته ويُعيد له توازنه. وفي المقابل، تمثِّل هي «السكن» بمعناه النفسي الأعمق: الاستقرار العاطفي، والثبات الداخلي، والحضن الهادئ الذي يولد الطمأنينة. إنها بفطرتها حاضنة للسلام، تخلق مساحة من السكينة لا تهدأ.
من هذه النقطة، ندرك أن الاختلاف بين الرجل والمرأة ليس سلمًا للتفاضل، بل هو تمايز في الوظيفة والطبيعة، قصدًا لحكمة التكامل. فطرة الرجل هي الحركة والسعي في العالم الخارجي. وفطرة المرأة هي الخلق والاستقرار في العالم الداخلي. كلٌّ يمدّ يدًا لما ينقص الآخر.
الإشكالية تنشأ حين نُغفل هذه اللغة التكاملية، ونحاول طمس الفوارق الفطرية لفرض تماثل لا يخدم الطرفين. حين تُحمل المرأة عبء السعي الخارجي بالإضافة إلى دورها الفطري في بناء الاستقرار العاطفي والتربوي، يثقل كاهلها التحميل المزدوج. وحين يُحرم الرجل من «سكنه» الذي يجدد طاقته، يتحول سعيه إلى مسيرة منهكة بلا ملاذ.
العلاقة المتوازنة، إذن، تقوم على فهم هذه اللغة: أن يكون سكون الرجل عندها مصدر قوته الجديدة، وأن يكون سكونها النفسي مصدر طمأنينتهما معًا. ليست العلاقة معادلة تقسيم عمل، بل هي إيقاع حي: حركة تستريح في سكون، وسكون يمنح معنى للحركة.
«لتسكن إلي» هي في النهاية دعوة إلى شراكة مختلفة. شراكة لا تلغي الخصائص، بل تحتفي بها، حيث يجد كل طرف في الآخر ليس نظيرًا مطابقًا، بل مكملًا ضروريًا لرحلته الإنسانية. وعندما نفهم هذه الكلمة، نكتشف أن السعادة لا تكمن في أن نكون متماثلين، بل في أن نكون، معًا، كاملين.