فضل بن سعد البوعينين
أصبح المسجد النبوي وساحاته محورا لمشروعات التنمية والتطوير في المدينة المنورة، وساهم التحول التنموي الذي تشهده المملكة منذ إطلاق رؤية 2030، في إرساء مشروعات تنموية شاملة تتعامل مع جميع مكونات المنطقة، وجغرافيتها، وإرثها الثقافي وكنوزها الأثرية، وتتواءم مع مستهدفات الرؤية ذات العلاقة بعدد المعتمرين والزائرين والمصلين. أحدثت رؤية التنمية الإستراتيجية تناغما بين المسجد النبوي، وساحاته، والمكونات الخارجية، وهو أمر مهم لتحقيق التكامل التنموي، والإرتقاء بالخدمات وجودة الحياة.
لا يمكن الفصل بين الحجاج والمعتمرين في مكة المكرمة، وزائري المسجد النبوي، فغالبية الحجاج والمعتمرين، إن لم يكن جميعهم، يضعون المدينة، والمسجد النبوي، ضمن رحلاتهم للحج والعمرة، بل أن الكثير منهم يقضون وقتا أطول في المدينة، ومع سهولة التنقل البري، ووجود القطار السريع، أصبحت المدينة هي الوجهة الرئيسة لعدد كبير من زائري الداخل والخارج، ثم السفر لمكة المكرمة من أجل أداء العمرة، ما يعني الإرتباط الوثيق بين مكة والمدينة في عدد الزائرين.
منظومة الحج والعمرة والزيارة، منظومة متكاملة، ومكوناتها مرتبطة ببعضها البعض، وإن تباعدت المسافات بينها، وهذا يشمل المسجد الحرام والمشاعر المقدسة والمسجد النبوي والمواقيت المكانية، وقطاع الضيافة والخدمات في المدينتين المقدستين، ما يستوجب التعامل معها وفق رؤية تنموية شاملة محققة لمستهدفات رؤية 2030.
ترابط وثيق، وانعكاس مباشر للحجاج والمعتمرين والزائرين يستدعي مواءمة مشروعات التنمية، المرتبطة بمنظومة الحج والعمرة، بين مكة والمدينة، وبما لا يسمح بوجود فجوة تنموية وخدمية، تتسبب في تقليص الطاقة الإستيعابية في المدينة مقارنة بمكة، وما يترتب عليها من قصور الخدمات، ومعاناة الزائرين، ومتعهدي تقديم الخدمات، والجهات الحكومية المعنية بخدمة وأمن وسلامة الزائرين.
هناك مشروعات تنموية مهمة في المدينة المنورة، ربما تجاوزت قيمتها 200 مليار ريال، تعكس اهتمام القيادة، وحرصها على تنفيذ المشروعات التنموية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، وبما يحقق مستهدفات رؤية 2030، غير أن من المهم إنجاز مشروع توسعة المسجد النبوي، لاستيعاب الأعداد الكبيرة من المصلين والزائرين، وتحسبا للنمو المستقبلي للزوار.
تسريع عمليات الإنجاز، واستكمال مشروع التوسعة، واعتماد المشروعات التطويرية الجديدة التي يحتاجها المسجد النبوي. بقاء الحجاج والمعتمرين في المدينة لفترات زمنية طويلة، ونمو الزائرين من داخل المملكة وخارجها، من الأولويات المُلِحّة التي تحتاج إلى رؤية تطويرية شاملة تسهم في التيسير على المصلين والزائرين، وتخفف الضغط الكبير على المرافق والخدمات، وتحقق المنفعة من بعض المشروعات غير المستكملة، والتي أنفقت عليها الدولة أموالا طائلة.
تشير الأرقام الأولية للعام 2025 إلى أن أكثر من 18.8 مليون زاروا المسجد النبوي، وأستفادوا من قطاع الضيافة لفترات زمنية مختلفة، وهو رقم ضخم من المتوقع نموه بشكل متسارع، ما يؤكد أهمية مواءمة الساحات المتاحة، والخدمات، بما فيها قطاع الضيافة، لتلبية الحاجة الحالية، والنمو المتوقع في عدد الزائرين.
لذا فمن المهم التوسع في قطاع الضيافة الذي يعاني من شح الغرف المتاحة، مقارنة مع الطلب الحالي والمستقبلي، حيث يبلغ عدد الغرف المتاحة 62 ألف غرفة في الوقت الذي يحتاج فيه القطاع إلى 100 ألف غرفة. وبالرغم من وجود تحدي محدودية الغرف، إلا أن النظر لهذا التحدي من زاوية الفرص المتاحة، يمكن أن يكون محفزا للقطاع الخاص لضخ مزيد من الإستثمارات في قطاع الضيافة. وهنا يبرز الدور المأمول لوزارة السياحة في وضع إستراتيجية واضحة، ومستهدفات ومشروعات فندقية محددة، وتحفيز القطاع الخاص لضخ مزيد من الإستثمارات المالية، وتوفير الدعم اللازم له، والتمويل من خلال صندوق التنمية السياحي.
الشراكة بين أمانة منطقة المدينة المنورة، وهيئة التطوير، ووزارة السياحة يمكن أن تفضي إلى خلق مشروعات نوعية في قطاع الضيافة، متوافقة مع الإحتياجات الحالية والمستقبلية، إضافة إلى التنسيق في تنفيذ المشروعات وفق الأولويات الداعمة لتسريع عمليات الإنجاز وتحقيق متطلبات التنمية، في الوقت الذي يسهم فيه تفعيل الجوانب الإستثمارية، وخلق شراكة تكاملية مع القطاع الخاص، في تحقيق أهداف التنمية الشاملة، حيث يهتم القطاع الخاص بالعوائد الإستثمارية، في الوقت الذي تسعى فيه الجهات الحكومية، وفي مقدمها الأمانة، لإستثمار أصولها العقارية وفق رؤية تنموية حديثة معززة لاقتصاديات المدينة، والمنطقة، ومحققة لجودة الحياة وتوفير الخدمات وتلبية الإحتياجات الحالية والمستقبلية للمدينة المنورة.