د. سطام بن عبدالله آل سعد
تتعثر خطط تنموية كثيرة رغم دقة تصميمها وسلامة أهدافها، ويُعزى ذلك غالبًا إلى أسباب فنية أو مالية، بينما يغيب العامل الأكثر حضورًا في التنفيذ ألا وهو الإنسان. فالخطة تُبنى على الورق، لكن مصيرها يُحسم في الواقع اليومي، حيث تتقاطع القرارات مع العادات والمخاوف والتوقعات وردود الفعل النفسية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى «علم النفس التنموي» بمعناه التطبيقي بوصفه مدخلًا يُعيد قراءة التنمية من الداخل، عبر فهم الاستجابات النفسية والسلوكية للمجتمع وإدراجها في قلب التخطيط وصناعة القرار، حتى تتحول التنمية من قرارٍ إداري إلى واقع يعيشه الإنسان ويتفاعل معه.
إنّ التخطيط الذي يفترض أن المجتمع سيتكيَّف تلقائيًا مع أي تغيير، يتجاهل حقيقة بسيطة، وهي أن الإنسان لا يستقبل السياسات بوصفها أرقامًا أو تعليمات، بل بوصفها تغييرات تمس أمنه، واستقراره، ونمط حياته. وعندما يشعر الفرد أن مشروعًا ما يضغط على تفاصيله اليومية دون تفسير أو تمهيد، فإن المقاومة تصبح رد فعل طبيعيًا، حتى لو كان المشروع يحمل فوائد حقيقية.
وتتعامل النفس التنموية مع التغيير بوصفه مسارًا نفسيًا قبل أن يكون إجراءً إداريًا، فالتدرّج ووضوح الغاية واحترام قدرة الناس على التكيُّف عوامل تصنع القبول وتخفِّف التوتر المجتمعي. كما أن اللغة المستخدمة في شرح المشاريع لا تقل وزنًا عن المشروع ذاته، لأنها تحدد ما إذا كان التغيير سيُفهم باعتباره فرصة مشتركة أو سيُستقبل كعبء مفروض.
كما تسهم النفس التنموية في بناء الدافعية المجتمعية، فمن خلال المشاركة يشعر الفرد أن له دورًا حقيقيًا، وأن أثر المشروع ملموس في حياته، وأن صوته حاضر في النقاش العام، وعندها يتحول المواطن من متلقٍ إلى شريك، وتتحول التنمية من برنامج حكومي إلى مسار اجتماعي.
وتتجلى ضرورة هذا الدور حين نتحدث عن مجتمعات متباينة في المكان والعمر والثقافة؛ لأن أثر القرار يمر عبر سياقات مختلفة في استقباله وفهمه. فما ينجح في مدينة قد يواجه فتورًا في أخرى، وما يناسب فئة عمرية قد لا يُقنع فئة مختلفة. وعندما تُهمَل هذه الفروق تتكوّن سياسات عامة متجانسة في الشكل، لكنها متفاوتة في الأثر.
في المقابل، إدخال البعد النفسي في التخطيط يجعل القرار أكثر توافقًا مع السياق، ويقلِّل احتمالات سوء الفهم، ويقرِّبه من الناس كما هم وليس كما نتوقعهم.
ويمتد أثر النفس التنموية إلى ما بعد التنفيذ حين تُقاس النتائج بميزان الناس، فالتنمية لا تُقاس بما يُنجز فقط، وإنما بما تتركه من رضا وثقة وإحساس بالعدالة، ومن هذه المؤشرات يتحدد استمرار التعاون من عدمه.
التنمية التي تفهم الإنسان تكون أقدر على الحياة، لأنها تُبنى من الداخل قبل أن تُوضع على الورق، فتُنفَّذ وتستدام.