د. طارق بن محمد بن حزام
الحمد لله الذي لم يُغلق باب الرجاء في وجه عباده، وجعل لهم مواسم للطاعة تتنزّل فيها رحمته، وتُفتح فيها أبواب الأمل، مهما أثقلتك الذنوب، ومهما طال البعد وأرهقك المسير.
رمضان ليس شهرًا عابرًا في تقويم الزمن، بل محطة إيمانية تتجدّد فيها النفوس، وتستعيد القلوب بوصلتها. يأتي ليقول لكل من أثقلته الحياة: ما زال الطريق مفتوحًا، وما زال الرجوع ممكنًا، وما زالت الرحمة أقرب مما تظن.
هو شهر الجود، حيث يتسع مفهوم العطاء ليشمل ما هو أعمق من البذل المادي؛ جود في الوقت، والمشاعر، والصفح، والشعور بالآخر. ففي رمضان تُستعاد القيم الإنسانية بهدوء، ويُعاد التذكير بأن المجتمع لا يقوى إلا بتراحم أفراده.
رمضان ليس شهر الجوع والعطش فحسب، بل شهر الانكسار الصادق بين يدي الله، حيث تعترف النفوس بنعم الله عليها، وتدرك أن هناك من يعانون من الجوع المدقع، فيطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيماً وأسيرًا لوجه الله، لا يريدون منهم جزاءً ولا شكورًا.
فيه تُفتح أبواب السماء، لا لحصر الأعمال، بل لاستقبال العودة الصادقة، وتُغلق أبواب النار، لا لأننا استحقينا، بل لأن الله أراد لنا النجاة، وتُصفّد الشياطين ليبقى العبد وجهًا لوجه أمام ربه، بعيدًا عن نزغات الشيطان، بلا أعذار، ولا تشويش، ولا ضجيج.
إنها فرصة نادرة يتخفف فيها العبد من الذنوب، وتُرفع فيها الحواجز، ويبقى القلب وحده أمام نداء رباني: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
رمضان هو شهر القرآن، كلام الله الذي نزل به جبريل عليه السلام، لا ليُتلى بالألسنة فقط، بل ليوقظ القلوب. (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان). آياته في هذا الشهر تعيد ترتيب الداخل، تخفف أثقال الروح، وتزرع طمأنينة صامتة في نفوس أرهقها البعد عن خالقها.
وهو أيضًا شهر القيام؛ لحظات يقف فيها العبد في ظلمة الليل بين يدي الله، يقرأ، ويرتجف، ويبكي، ويقول: “يا رب، لم يبقَ لي سواك). ركعة صادقة قد تغيّر مسار العمر، ودمعة خفية قد تمحو أثقال سنوات. قيام الليل يكتب بدايات جديدة، ويشعر الإنسان أن الله أقرب إليه من كل شيء: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
فيا من طال عليه الأمل.. هذا وقت الصدق.
ويا من أرهقته الذنوب.. هذا موسم الغفران.
ويا من بلّغه الله رمضان.. اعلم أن الله ما بلغك إلا لأنه أراد لك الخير.
لا تجعل رمضان يمر كما مرّت غيره من الشهور. لا تجعله أيامًا تُعدّ، بل لحظات قد لا تعود. اجعله نقطة تحوّل، وبداية علاقة جديدة مع الله، علاقة تقوم على الحب والرجاء والأنس.
فطوبى لعبدٍ دخله ضعيفًا فخرج قويًا بإيمانه، وطوبى لمن عرف الله في رمضان فلم يتركه حتى يلقاه.
اللهم بلّغنا رمضان، وأعنّا فيه على الصيام والقيام، ولا تجعلنا من المحرومين.