عبدالعزيز صالح الصالح
يُعد الصوم ركناً من أركان الإسلام الخمسة التي يقوم عليها هذا الدين الإسلامي العظيم، ولا يصح إيمان مسلم إلا بالاعتراف بهذه الأركان تسليماً وإذعاناً وتصديقاً، يقول الحق تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة البقرة آية (183).
بهذه الآية الكريمة يبدأ التكليف الشرعي بهذا النداء العظيم إلى المؤمنين بالله سبحانه وتعالى بصيام شهر رمضان المبارك، والمتأمل في هذا الآية الكريمة يجد أنها خُتمت بمراد الله تعالى من صيام المسلمين لهذا الشهر الكريم، ألا وهو (التقوى)، إذ هي غاية أرادت حكمة الله منها أن يتحقق للإنسانية جمعاء ما ترجوه من حياة يسودها العدل والأمن والرحمة والقوة.
فالصيام غايته: إعداد النفس البشرية لتقوى الله، ويظهر هذا من عدة وجوه منها: الخشية من الله، والشفافية، والاعتقاد بأن الله وحده هو المطلع على الصائم فالصيام يعود الإنسان على الصبر على المكاره، ويحكم الإرادة في شهوات النفس البشرية والبدن، وتربية العزيمة على قيادة الإنسان حيث يريد، وحين يريد وهكذا تظهر هذه الوجوه النابعة من (التقوى) وهي الغاية من الصوم، ألا وهي وجوه الإخلاص والخشية والرحمة والطمأنينة فهي حلم المؤمن في هذه الحياة الدنيا، ولا يجلب الطمأنينة، وراحة البال في هذه الحياة سوى الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
الإيمان حصن أمام الخوف، والاستقامة عليه درع تجاه الأحزان، فالكل يعلم أن فريضة الصوم تكليف إلهي -مثل بقية الفرائض- صادر عن رب العباد، الذي له بمقتضي ألوهيته وربوبيته أن يكلف عباده بما يريد من دلائل الخضوع والخشوع والعبودية، فالصيام في الإسلام ثلاثة أنواع فقط:
الأول: الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة، وهو الصوم الظاهر الذي عليه أكثر البشر اليوم، يقول أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.
الثاني: هو صوم الجوارح عن ارتكاب الآثام مثل البعد عن إيذاء الناس بالقول والفعل، وترك الغيبة والنميمة والكذب والحقد والحسد وتتبع العورات، امتثالاً لأمره، وخضوعاً لأحكامه.
الثالث: تطهير القلوب من كل ما يتعارض مع الإيمان بالله، ويصادم الإخلاص له وإفراده بالوحدانية الخالصة، فالتوجه للأموات لطلب الرحمة والمغفرة ودفع الأضرار، أمر يفسد الصيام لأن هذا الأمر يدخل المرء في دائرة الشرك بالله. وترك الصلوات الخمس، يفسد الصيام، لأن تاركها قطع صلته بخالقه، وكذلك الاحتكام إلى غير شريعة رب العباد يفسد الصيام، لأنه شرك بالله وكل مشرك بالله عمله حابط، فإذا جمع الصائم هذه الأنواع الثلاثة سابقة الذكر انطبق عليهم قول سيد الأمة المحمدية محمد بن عبدالله -صلوات الله وسلامه عليه : «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه»، أخرجه النسائي والإمام أحمد - وقال نبيٍ البشرية قاطبة: «الصوم جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو شاتمه أو قاتله فليقل: (إني امرؤ صائم)». رواه البخاري ومسلم.
فإن طبق المسلم على نفسه منهج نبي الأمة -صلوات الله وسلامه عليه- في آداب الصيام وصل إلى درجة التقوى بإذن الله وكان جديراً بأن يفرح ويتحقق له ما جاء في الحديث القدسي: «للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». رواه مالك في الموطأ وابن ماجه.
أما الذين يصومون لمجرد الإمساك عن الطعام والشراب، وقلوبهم فارغة من الإيمان بالله، ولا ينتهون عن منكر، فلا صيام لهم.
فإذا كانت الغاية من الصيام: الرياضة الصحيحة، لكي تستريح المعدة من عناء العمل المتواصل طوال العام، فإنه يمكن تحقيق ذلك بغير الصيام عن طريق أنواع من الرياضيات.
وإذا كانت الغاية من الصيام: التعود على الصبر، وتهذيب النفس البشرية، وإثارة الشعور بحال الفقير والمسكين، فيمكن تحقيق ذلك كله بوسائل أخرى، فهي إذن وسيلة وليست غاية، وإذا تحققت الغاية بوسائل أخرى، فلا داعي للصيام.
فالواجب على كل مسلم أن ينظر إلى العبادات من خلال الفكر والعقل، ولكن يجب عليه أن يتلقى العبادات والتكاليف على أنها أوامر يأمرنا الله بها عما يشاء، ونواهٍ ينهانا الله عما يشاء، وطالما أن هذه الأمور والنواهي صادرة من رب حكيم خبير، فعل الأمة أن تتقبل أوامر الله ونواهيه بإخلاص، مع تنفيذها بخضوع وخشوع، وهذا هو سبيل المؤمنين الذين يفعلون ما يؤمرون كما قال تعالى: (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). سورة النساء آية (114).
فما دام الأمر صادراً من صاحب التشريع الإلهي، فلا مجال هنا لإعمال الفكر والعقل، ومن هنا يجب أن نسمو بالعبادة ونرتفع بها عن المستوى المادي تعظيماً لله الذي يدين له كل كائن في الوجوه.
فهذا هو الصيام في الإسلام.. وهذه آثاره الروحية.
فقد قال الشاعر الحكيم:
نور من الرحمن
يحمله لنا رمضان
نور يضيء لنا
القلوب فيشرق الوجدان
بالحب شهر الصوم
والقرآن يلتقيان
ومع الفضائل في
رحاب الله يجتمعان
بشرى تقدمها السماء
لقارئ القرآن
والله الموفق والمعين.