محمد بن عبدالله آل شملان
في لحظات الفقد، تتكاثف الكلمات في الحلق، ويصبح الحزن أثقل من أن يُروى، لكن تبقى سيرة الرجال العظام عزاءً وسلوى، كأنها ضوءٌ صغير يشق عتمة الغياب. وحين يغيب رجلٌ بحجم معالي الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز السويلم، فإن الغياب لا يكون شخصياً فحسب، بل وطنياً وإنسانياً، لأن أمثاله لا يمرّون في الحياة مروراً عابراً، بل يتركون أثراً يشبه الدعاء الممتد في قلوب الناس.
وقد عبّر صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، عن حزنه العميق وتعازيه الصادقة لأسرة الفقيد، مسترجعاً رحلة طويلة من العمل المشترك والذكريات التي لا تُنسى. لم يكن حديث سموه مجرد كلمات رسمية، بل شهادة قلب عرف الرجل عن قرب، وعمل معه جنباً إلى جنب، فكان الحديث مشبعاً بالوفاء والامتنان.
استعاد سموه تلك البدايات الأولى حين بارك خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- ترشيحه لعضوية مجلس إدارة جمعية الأطفال ذوي الإعاقة، الجمعية التي بدأت حلماً صغيراً ثم صارت صرحاً إنسانياً كبيراً. وهناك كان الدكتور السويلم حاضراً، لا كعضو فحسب، بل كمؤسسٍ وصاحب رؤية، شارك في وضع اللبنات الأولى مع معالي الدكتور غازي القصيبي، مؤمناً بأن خدمة الأطفال ذوي الإعاقة ليست عملاً خيرياً عابراً، بل رسالة حياة.
كان السويلم - كما وصفه سمو الأمير - مستشاراً موثوقاً، وأخاً عزيزاً، وركناً ثابتاً يُستند إليه في الملمات. رجلٌ إذا تحدّث أنصت الجميع، وإذا أشار اتجهت القلوب قبل الأعين إلى ما يقترح، لأنه لم يكن يبحث عن مجد شخصي، بل عن أثر يبقى.
امتدت مسيرته المهنية والإنسانية على مساحات واسعة من العطاء؛ من إدارته لمستشفى الملك سعود بالشميسي، حيث كان الطبيب والإداري والإنسان، إلى عمله وكيلاً لوزارة الصحة، ثم رئيساً لهيئة الهلال الأحمر السعودي، حيث تجسدت الرحمة عملاً ميدانياً لا يعرف التعب. وفي كل موقع تولاه، كان يزرع شيئاً من روحه: نظاماً أفضل، خدمة أرقى، وابتسامة أمل لمن يحتاج.
ولم يكن عطاؤه مقتصراً على المناصب الرسمية، بل امتد إلى القطاع الأهلي والخيري، من خلال عضويته في مجلس مديري شركة مواكبة، وإسهاماته المتواصلة في دعم المبادرات الاجتماعية. كان يؤمن أن المسؤولية لا تتجزأ، وأن خدمة الوطن تبدأ من خدمة الإنسان.
ما يميز الراحل -كما يتذكره كل من عرفه- ليس إنجازاته وحدها، بل إنسانيته العميقة. كان قريباً من الناس، متواضعاً، يفتح بابه قبل هاتفه، ويمنح وقته بسخاء قبل رأيه. كثيرون قصدوه طلباً للمشورة، فما عادوا إلا مطمئنين، وكثيرون لجؤوا إليه طلباً للعون، فما خرجوا إلا وقد امتلأت أيديهم وقلوبهم.
رحيله يترك فراغاً لا يُملأ بسهولة، لكن سيرته تملأ الأرواح إيماناً بأن الخير لا يموت، وأن الرجال الصادقين يظلون أحياءً في أثرهم. فهناك أطفال كبروا بفضله، وأسرٌ تعافت بسببه، ومؤسساتٌ نهضت برؤيته، وكلها تشهد له في صمتٍ جميل.
وفي دعاء الأمير سلطان بن سلمان ما يلخص مشاعر الجميع: أن يتغمده الله بواسع رحمته، وأن يجزيه عن وطنه وأمته خير الجزاء، وأن يبارك في أبنائه وأسرته الذين يسيرون على خطاه.
فمثل هذا الرجل لا يُودّع بالدموع فقط، بل بالاقتداء، ولا يُذكر بالحزن وحده، بل بالفخر أيضاً.
رحم الله الدكتور عبد الرحمن السويلم، غاب الجسد، وبقي الأثر، وبقيت السيرة الطيبة تمشي بين الناس كأنها نورٌ لا ينطفئ.