مشعل الحارثي
مثلما ينقضي كل شيء جميل في لمحة بصر، كذلك يغادر الطيبون دنيانا الفانية سريعاً، ولا نكاد نفيق من غفلتنا وسفرنا المتواصل مع الحياة وهمومها وانشغالاتها إلا على الأخبار المؤلمة بفقدهم ورحيلهم الأبدي، وليتأكد لدينا أن الحياة بطولها وعرضها وصخبها وبهرجها وزخرفها ومفاتنها وآمالها وآلامها وفرحها وحزنها تمضي بنا في سباق مع الزمن وتسرق أعمارنا حتى يأتينا اليقين.
مسافرون فهل يدري بنا السفر؟!
أم أننا المنتهى والمبتدأ الخبر؟!
ما بين قوسين ميلاد ومرتحل
والعمر بينهما سطر من الأثر
دارت بذهني كل تلك المعاني والعبر وأنا أتلقى الخبر المؤسف برحيل المربي القدير وابن العم الأستاذ حمدان بن خليفة العمراني الحارثي الذي رحل عنا بعد معاناة مع المرض استمرت أكثر من عام - رحمه الله وغفر له ووسع نزله وطيب مرقده -.
إن الليالي من الزمان مهولة
تطوي وتنشر بينها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة
وطوالهن مع السرور قصار
وإذا كان لكل من اسمه نصيب فمن معاني اسم فقيدنا (حمدان) أبو هاشم في المعاجم اللغوية أنه الحامد لربه المحمود بين الناس واسمه مشتق من كلمة (حمد)، وهي تدل على الثناء والشكر والرضا كما أنه يحمل صفات الشهامة والحكمة ويترك أثراً طيباً وهذا ما لمسناه في شخصه وفي مسيرته المكللة بالعمل الجاد والجهد والكدح والصبر والكفاح من أجل لقمة العيش الكريمة والتي خاضها في البدء بقريته العمارين بميسان بني الحارث التي ترعرع في أكنافها وبين أهله ورفاقه ومع والديه وشقيقه الأكبر (حسن) الذي حرم من الذرية -رحمهم الله جميعاً-، وبعد وفاة والده وانتقالهم للطائف عمل فقيدنا مع شقيقه في عدد من الأعمال الحرة إلا أنه اختط لنفسه مساراً آخر في التوجه للتعليم فالتحق بمدرسة دار التوحيد بالطائف، وحصل على شهادتها ثم التحق، بمعهد كفأة المعلمين بالطائف قبل أن يتحول للكلية المتوسطة ثم كلية المعلمين وتخرج منه والتحق بسلك التعليم معلماً في عدة مدارس بمناطق بالمملكة بدأها بجازان ثم منطقة ميسان بني الحارث وليختمها بالعمل في عدد من مدارس الطائف، وكان آخرها مدرسة القيم بحي الشرفية، ثم انتقل بعد تقاعده للعمل بالعقار حتى وافته المنية -تغمده الله بواسع رحمته ومغفرته-.
تولى وأبقى بيننا طيب ذكره
كباقي ضياء الشمس حين تغيب
لقد عشت وعايشت ومنذ كنت صغيراً وقد تجاوزت اليوم الستين من العمر وبحكم القربى وصلة النسب كيف كانت للفقيد مكانة مميزة في نفوس كل من عرفه، ولا أنسى ذكرياتنا الجميلة معه وزياراتنا المتكررة له في داره الحديثة ومزرعته التي بناها بميسان أرض النشأة والمنبت.
بل يمكن أن أطلق عليه كاتب عدل القبيلة لأنه كان من أوائل المتعلمين إلى جانب الشقيقين سعد ومحسن أبناء عالي بن علي البلاوي ومنصور بن صالح الصاهلي، وكان أغلب أفراد قبيلة العمراني الحارثي بمنطقة ميسان يلجؤون إليه لكتابة الكثير من الاتفاقيات والمصالحات اثر بعض الخلافات والمنازعات، وكذلك كان يعد بعض الخطابات لجدي شيخ القبيلة وأعمامي -رحمهم الله أجمعين- إلى جانب أن والدي كانت تربطه به صلة محبة وتقدير وثقة متبادلة كبيرة، بل كان الوالد -رحمه الله- يستشيره في كثير من الأمور والقضايا التي تخص شئون القبيلة وأمور الحياة.
أما وقد غادرنا (أبو هاشم) إلى جوار أرحم الراحمين جسداً فسيظل باقياً في قلوبنا وغيره من الراحلين الأعزاء علينا، وسنظل نستجلب له ولهم جميعاً أصدق الدعوات بعظيم المغفرة والرحمات ورفيع الدرجات في جنات الخلد والنعيم، وقد خلف ذرية صالحة من البنين والبنات والذين ساروا على نهج والدهم في التحاقهم بقطاع التعليم، وإنني في هذا المقام أوصيهم بتجديد ذكر والدهم الحسن، وعدم نسيانه والدعاء له، والوفاء له بحقه عليهم وبرهم به حتى بعد مماته.
فقد الأحبة والأحزان تتبعه
وفي الرثاء لهم بر وإحسان
مداد حرفي يسلي النفس عن حزن
فالراحلون لهم ذكر وعنوان
أصدق التعازي القلبية أقدمها لأسرته ولأبنائه كل من هاشم، وخالد، وسعد، وخليفة وأخواتهم، وعماتهم وأبناء عماتهم، وأبناء عمومتهم من أسرة العمراني الحارثي، وأنسابهم الأعزاء سائلاً المولى -عز وجل- أن يلهم الجميع الصبر والسلوان على هذا الفقد الأليم، و(إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).