عبدالرزاق الجمل
أثار تصاعد الحديث عن استعداد تنظيم القاعدة في اليمن لاستئناف عملياته الخارجية إلى الواجهة سؤالا حول حقيقة هذا التهديد، ومن يقف خلف تضخيمه في هذا التوقيت بالذات.
فبعيدا عن الخطاب الأمني التقليدي، يبدو واضحا أن هذه الموجة أقرب إلى حملة سياسية وإعلامية منظمة، تقودها منصات ممولة من أبوظبي، وتهدف بشكل رئيسي إلى إعادة تقديم «قاعدة اليمن» كخطر عابر للحدود، لإثارة مخاوف العواصم الغربية، بعد أن فقدت أبوظبي نفوذها المباشر داخل البلاد، على خلفية الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظات الجنوبية الشرقية.
والتوقيت ليس أمراً هامشياً، فأبوظبي التي قدمت نفسها طويلا كشريك فاعل للغرب في مكافحة الإرهاب باليمن، باتت اليوم خارج المشهد الميداني بعد إنهاء وجودها العسكري تماما وتراجع تأثيرها السياسي.
تحاول أبوظبي أن تظهر نفسها كأنها حمت مصالح الغرب بمحاربتها للقاعدة في اليمن، وتلمّح إلى أن خروجها من البلاد بناء على طلب السعودية سيعرض تلك المصالح للخطر، وكأنها تلقي بالمسؤولية على الرياض.
لكنَّ الواقع مختلف، فأبوظبي حافظت على وجود التنظيم بشكل متعمد، واستغلت تهديده لتقوية نفوذها، ولذلك كانت حربها ضده غير جدية طوال السنوات الماضية.
في هذا السياق، يجري تضخيم أي إشارة أو خطاب يصدر عن تنظيم القاعدة حاليا، وتقديمه على أنه دليل قاطع على «عودة التهديد الخارجي»، رغم أن القراءة المتأنية لمسار التنظيم وقدراته الحالية تشير إلى العكس تماما. فالتنظيم، صحيح أنه لم يتخل عقائديا عن فكرة استهداف الغرب، لكن الفرق كبير بين الاحتفاظ بالفكرة، وبين امتلاك القدرة الفعلية على تنفيذها.
في الأشهر الماضية استغل التنظيم، كما هو متوقع، موجة الغضب الشعبي الواسعة تجاه الجرائم المرتكبة في غزة، وحاول إعادة توجيه خطابه التحريضي نحو الجمهور الغربي، أملا في تحريك ما يعرف بـ»الذئاب المنفردة».
كما إعادة إحياء مجلة «إنسباير» الناطقة باللغة الإنجليزية جاءت في هذا الإطار، ليس باعتبارها أداة عملياتية، بل كمنصة دعائية تحاول الاستثمار في المزاج العام الغاضب، وربما تسجيل موقف استباقي يسمح للتنظيم بالحديث عن التأثير في حال وقوع أي هجوم فردي.
غير أن الحملة الإعلامية التي تتلقف هذا الخطاب وتضخمه، وتقدمه باعتباره مؤشرا على جاهزية القاعدة لتنفيذ عمليات خارجية، تتجاهل عمدا حقيقة أساسية، وهي أن التنظيم اليوم يفتقر إلى الأدوات التي مكنته سابقا من تحويل التحريض إلى فعل. بل إن المقارنة بين وضعه الحالي وماضيه تكشف تراجعا حادا في قدراته البشرية والتقنية والتنظيمية.
تاريخيا، اعتمد تنظيم القاعدة في اليمن على مسارين رئيسيين لتنفيذ عملياته الخارجية. المسار الأول: كان التأثير عن بعد عبر خطاب تحريضي موجه، يستهدف أفرادا يعيشون في الغرب، ويدفعهم لتنفيذ عمليات فردية دون ارتباط تنظيمي مباشر.
المسار الثاني كان أكثر خطورة، إذ اعتمد على خبرات تقنية نادرة، أبرزها خبرة القيادي إبراهيم العسيري في تصنيع متفجرات قادرة على تجاوز أنظمة التفتيش في المطارات.
العمليات المرتبطة بالمسار الأول، مثل هجوم نضال حسن في قاعدة فورت هود الأمريكية، والهجوم على صحيفة شارلي إيبدو في باريس، وعملية الأخوين تسارنايف في ماراثون بوسطن، ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بالداعية الأمريكي من أصل يمني أنور العولقي. كان العولقي يمثل حلقة وصل مهمة بين التنظيم والبيئة الغربية، بحكم لغته وثقافته وقدرته على التأثير النفسي.
لكن هذه الصفحة طويت فعليا مع مقتل العولقي، إلى جانب سمير خان، بغارة أمريكية في محافظة الجوف عام 2011. ومع غيابهما، فقد التنظيم أهم أدواته في مخاطبة الغرب بلغته، وتراجع التأثير الحقيقي لمجلة «إنسباير»، التي تحولت لاحقا إلى مجرد نشرة تحريضية بلا وزن فعلي.
أما المسار الثاني، فقد انتهى بدوره مع مقتل إبراهيم العسيري، الذي كان العقل المدبر لأخطر محاولات التنظيم الخارجية، ومنها محاولة استهداف طائرة ركاب متجهة من مطار أمستردام إلى ديترويت عام 2009، منذ ذلك الحين، لم يثبت أن التنظيم استطاع إنتاج بديل يمتلك الكفاءة نفسها، في وقت أصبحت فيه الأنظمة الأمنية العالمية أكثر تطورا وتشابكا.
رغم هذه الحقائق، تصر منصات إعلامية ممولة من أبوظبي على إعادة تدوير خطاب «الخطر الداهم»، متجاهلة التراجع الواضح في قدرات التنظيم، ومركزة على أي مادة دعائية تصدر عنه وكأنها دليل قوة.
الهدف هنا لا يبدو أمنيا بقدر ما هو سياسي، إذ تسعى أبوظبي إلى إعادة تقديم نفسها كشريك لا غنى عنه للغرب في مواجهة الإرهاب، عبر التلويح بورقة القاعدة، بعد أن خسرت حضورها المباشر على الأرض اليمنية.
هذه الطريقة لا تساعد على فهم الواقع، بل تكرر رواية قديمة ثبت فشلها. المبالغة لا تصنع أمنا، وتهويل الخطر لا يعيد للتنظيم قوة فقدها، كما أنه لا يعيد للإمارات دورها الذي لم تعد تملك أدواته.
في المحصلة، يبدو تنظيم القاعدة في اليمن اليوم أبعد ما يكون عن كونه تهديدا خارجيا بشكل فعلي، مهما حاولت الحملات الإعلامية المفتعلة تصويره على هذا النحو. فهذه الحملة تعكس مصالح سياسية تسعى إلى إثارة مخاوف الغرب، لا لفهم الواقع على الأرض.