هدى بنت فهد المعجل
في زمنٍ يقيس القيمة بالسرعة، ويمنح الجوائز لمن يصل أولًا، أصبح البطء تهمة، والتأني ضعفًا، والعمق ترفًا لا وقت له. نعيش كأننا في سباق لا نعرف خط نهايته، نركض لأن الجميع يركض، ونسرّع لأن الوقوف صار يثير الشبهة. لكن السؤال الذي لا يُطرح غالبًا: إلى أين؟
البطء ليس نقيض الحياة، بل شرط من شروطها. فالأشياء العميقة لا تولد مسرعة، ولا تنضج تحت ضغط التوقيت. الجذور لا تتفاخر بسرعة نموها، لكنها وحدها التي تمنح الشجرة ثباتها. والبحار لا تُقاس بحركة سطحها، بل بعمق سكونها.
نحن نخلط بين الإنجاز والمعنى. نكدّس الأيام كما تُكدّس الملفات، ونحسب العمر بعدد ما أُنجز لا بما فُهم. نخرج من التجارب بسرعة قبل أن تترك أثرها، وننتقل من فكرة إلى أخرى قبل أن تنضج الأولى. صرنا نعرف الكثير عن كل شيء، ولا نعرف شيئًا عن أنفسنا.
المعنى لا يُصنع بالضجيج، بل بالعلاقة الحميمة مع الشيء. مع الفكرة حين نجلس معها طويلًا، ومع الحرفة حين تكرر الخطأ حتى تصيب، ومع النفس حين تُمنح وقتها لتتحدث دون استعجال. لهذا كانت الأعمال اليدوية، والفنون البطيئة، والقراءة العميقة، أشبه بمقاومة صامتة لعصر الاستهلاك السريع.
في البطء تتكشف التفاصيل. نلاحظ ما كنا نتجاوزه: رعشة الصوت قبل القرار، تردد اليد قبل اللمسة، الفكرة التي كانت تحتاج سؤالًا واحدًا فقط لتتضح. البطء لا يعطلنا عن الحياة، بل يعيدنا إليها.
الغريب أن أكثر ما يُفتقد اليوم ليس الوقت، بل الحضور. نحن موجودون في أماكن كثيرة، لكننا غائبون عنها. نأكل دون أن نتذوق، نسمع دون أن نصغي، نعمل دون أن نشعر. كأننا نخشى أن نكون وحدنا مع اللحظة، لأن اللحظة صادقة، والصدق مرهق.
العمق لا يأتي من كثرة التجارب، بل من الصدق مع تجربة واحدة. من أن تسمح لها أن تلمسك، أن تغيّرك، أن تترك فيك أثرًا. لهذا تبدو بعض الحيوات غنية رغم بساطتها، وأخرى فقيرة رغم ازدحامها.
ليس المطلوب أن ننسحب من العالم، ولا أن نرفض التطور، بل أن نختار إيقاعنا. أن نُعيد الاعتبار للأشياء التي لا تُقاس بالأرقام: الفهم، الطمأنينة، الإتقان، والمعنى. أن نمنح بعض الأيام حقها في أن تكون عادية، وبعض الأحلام حقها في أن تتأخر.
ربما الحكمة الأعمق ليست في أن نعرف كيف نصل بسرعة، بل أن نعرف متى نتوقف، ومتى نمشي على مهل، ومتى نجلس لنفهم لماذا بدأنا أصلًا.
في عالم يصفق للسرعة، قد يكون البطء فعل شجاعة.
وفي زمن الضجيج، قد يكون الصمت أبلغ تعبير عن الوعي.
أما المعنى.. فهو دائمًا ينتظر من يقترب منه بهدوء.