د. محمد بن عبدالله آل عمرو
تقوم العلاقات الدولية المستقرة على مبدأ الاتساق بين الانتماء المؤسسي والسلوك العملي؛ فالدول التي تنضم إلى التكتلات الإقليمية والدولية لا تكتفي بمجرد التوقيع على مواثيقها، بل يُفترض فيها أن تمارس سياسات منسجمة مع أهداف تلك الكيانات في حفظ الأمن الجماعي، وتعزيز الاستقرار، واحترام السيادة؛ وحين يتحول الانتماء إلى غطاء شكلي، بينما يسير السلوك في اتجاه معاكس تمامًا، فإن الأمر لا يصبح مجرد خلاف سياسي عابر، بل إشكالية بنيوية تمس جوهر المنظومات ذاتها ومصداقيتها.
وفي هذا الإطار، تبرز حالة دولة شقيقة تنتمي رسميًا إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وكذلك منظمة الأمم المتحدة، لكنها تنتهج سياسات تتعارض بصورة متكررة مع مصالح هذه الكيانات مجتمعة. فبدلًا من الإسهام في تعزيز التضامن العربي والإسلامي، تورطت في ممارسات تبررها بما تسميه «الاستقلال الإستراتيجي»، تقوم في جوهرها على تفكيك الدول، وإذكاء النزاعات الداخلية، واستغلال هشاشة المجتمعات، مستخدمة أدوات المال، والإعلام، والسياسة، والسلاح، في مسار لا يمكن وصفه إلا بأنه تقويض لسيادة الدول.
وقبل المضي في توصيف هذا الانحراف الخطير، تفرض الأمانة الفكرية وقفة إنصاف تاريخية عند مؤسس تلك الدولة، الذي اقترن اسمه بالحكمة وبعد النظر، وبحرصه الواضح على الأمن القومي الخليجي والعربي، واحترام مبدأ حسن الجوار، وتغليب منطق التوافق على المغامرة، والاستقرار على العبث، فقد كان - يرحمه الله- يدرك أن أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ، وأن صون المحيط العربي والإسلامي هو صون للدولة ذاتها لا عبئًا عليها، وقد انعكس هذا الفهم في سياسات اتسمت بالاتزان، وبالابتعاد عن الاستثمار في الأزمات أو توظيف الانقسامات الداخلية في الدول الشقيقة.
غير أن المقارنة مع الحاضر تكشف اتساع الفجوة بين ذلك النهج المؤسس، وما آلت إليه الممارسة السياسية لاحقًا؛ فالركيزة الأبرز في السلوك الراهن تتمثل في توظيف تصنيف «تنظيم جماعة الإخوان المسلمين» باعتباره منظمة إرهابية، فالتصنيف الذي أقرته العديد من الدول في سياقٍ قانوني وأمني محدد، جرى في هذه الدولة تفريغه من مضمونه وتحويله إلى سلاح جاهز لتجريم كل خصم سياسي، وكل دولة ترفض الانصياع للأجندة المفروضة عليها، بل وحتى كل فرد أو كيان اقتصادي يرفض الإذعان لما يطلب منه، ليصبح غطاءً لتبرير التدخل في الشؤون الداخلية وتشويه الخصوم، وإضفاء شرعية زائفة على سياسات عدائية، مستعينة بعدد كبير من المستشارين والإعلاميين الذين مردوا على التضليل والاستفزاز. والأخطر من ذلك أن هذا النهج لم يتوقف عند حدود الصراع الإقليمي، بل تمدد إلى الفضاء الدولي، وتحديدًا إلى أوروبا، حيث شُنّت حملات تحريض منظمة ضد عشرات الملايين من المسلمين، صُوّروا في الخطاب الرسمي والإعلامي على أنهم خطر أمني وحضاري على دولهم، وقد رُصدت ميزانيات ضخمة لدعم سياسات التضييق والمراقبة عليهم، في مشهد متناقض من دولة يُفترض أنها عضو فاعل في منظمة التعاون الإسلامي، بما يثير تساؤلات جوهرية حول تحوّل محاربة تنظيم سياسي مصنف عند العديد من الدول تنظيما إرهابيا، إلى عداء مفتوح مع هوية دينية كاملة.
وفي موازاة ذلك، تتجلى مفارقة أشد حدّة حين تبني هذه الدولة علاقات دينية مع قوى لم تُخفِ تاريخيًا حتى اليوم، عداءها للإسلام والمسلمين، وتقديم هذه العلاقات تحت شعارات «التسامح» و»التعايش»، في وقت تُمارس فيه تحريض صريح ضد المسلمين، وتدخل تخريبي في دولهم؛ إن التسامح قيمة إنسانية لا تُجزّأ، ولا تستقيم مع سياسات تقوم على شيطنة أمة بأكملها ، ولم تخف هذه الدولة أن غايتها من تلك العلاقات هي التغيير الجذري في المنطقة كما صرح به أحد أعضاء مجلسها الاتحادي أمام الكنيست الإسرائيلي.
أما إقليميًا، فقد كشفت الوقائع عن نمط متكرر: يقوم على استغلال الأزمات الداخلية في الدول العربية لفرض اتفاقيات استثمارية مجحفة، وفي حال رفضها يتم دعم تيارات انفصالية أو ميليشياوية لإشغال تلك الدول بصراعات طويلة الأمد، كما حدث ذلك في سوريا وليبيا والسودان والصومال واليمن، وتونس، والجزائر، فضلًا عن اكتشاف خلايا تجسس تستهدف الأمن القومي في كل من عمان وتركيا، وعما يتداول في بعض منصات التواصل عن محاولات عرقلة استضافة المملكة العربية السعودية لكأس العالم لكرة القدم 2034. إن استمرار هذا النهج لا يهدد دولة بعينها، بل يضرب أسس الأمن الجماعي العربي والإسلامي وحتى الدولي، ويقوض الثقة في العمل المشترك، ما يجعل إعادة تقييم هذه السياسات من مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، ضرورة استراتيجية، لا خيارًا سياسيا فحسب، لحماية المنطقة من عبث يُغلّف بالشعارات، بينما هو في حقيقته تطرف سياسي خطير.