د. محمد بن أحمد غروي
برزت السياحة الثقافية مؤخرًا كأحد أوجه السياحة التي يزداد الإقبال عليها، إذ يحرص السياح والوافدون من مختلف أنحاء العالم على زيارة المواقع التراثية والتاريخية والانغماس في الثقافات المحلية لإثراء تجربة السفر لوجهاتهم.
تُشير السياحة الثقافية إلى نوع من السياحة ينخرط فيها الزائر بشكل أساسي في أنشطة ثقافية، والمشاركة في رصد ثقافات وأنماط حياة سكان تلك البلدان، أو التعلّم منها، أو الانخراط فيها بشكل فعّال. وتُسهم السياحة الثقافية في الحفاظ على التراث الثقافي وتعزيزه، وفي بناء جسور التفاهم بين الأمم؛ فهي تُولّد بشكل غير مباشر طلبًا على العمل، وتُساعد في الحفاظ على الأصالة الثقافية والهوية المحلية.
مؤخرًا أكدت منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة أن السياحة الثقافية عنصر رئيسي في السياحة الدولية، إذ مثلت حوالي 39 % من إجمالي عدد السياح الوافدين. كما أشارت الإحصائيات عام 2024 أن 56 % من الرحلات ركزت على التراث الثقافي. ويتوقع أن يصل الأثر الاقتصادي لسوق السياحة الثقافية إلى 6 مليارات ونصف دولار بحلول عام 2028، بنمو سنوي مركب قدره 17.3 % على مدى السنوات المقبلة.
برزت منطقة جنوب شرق آسيا كمركز سياحي رئيسي، بفضل دولها العشر المتنوعة. وتجذب دول عدة منها مثل كمبوديا وتايلاند وفيتنام وإندونيسيا، السياح الثقافيين. فاتخذت دول آسيان العام الماضي خطوة عملية نحو تعزيز سياحتها الثقافية وتوثيقها. فأعلن الأمين العام لرابطة جنوب شرق آسيا عن إطلاق منصة إلكترونية لآسيان بالتعاون مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، لتسليط الضوء على المنتجات والخدمات ذات الأصل الجغرافي المحدد في آسيان، والتي تُجسد التراث الثقافي والهوية المميزة لوجهات آسيان. وتشمل هذه المنتجات والخدمات المعالم الثقافية والفنون والحرف اليدوية وفنون الطهي والمعارف التقليدية. وتسعى المنصة للترويج لمنتجات المؤشرات الجغرافية والتراث الثقافي، وترسخ مكانة المنطقة كوجهة سياحية رائدة للمسافرين الباحثين عن تجارب أصيلة، كما تعكس التزام آسيان بتوظيف تنوعها الثقافي الغني وإبداعها لتطوير تجارب سياحية فريدة ومستدامة.
تُعرف إندونسيا بمقومات السياحة الثقافية التي امتازت بتنوعها الثقافي إذ تمتلك قرابة 300 جماعة عرقية، فلديها عشرة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي، كما أن الانغماس في الثقافة المحلية برز كأحد أبرز الأنشطة في قطاع السياحة في عام 2025، إذ يبدي السياح اهتمامًا بتجربة الثقافة المحلية من خلال زيارة القرى التراثية، والتفاعل مع السكان المحليين، والمشاركة في صناعة الحرف اليدوية.
في فيتنام تشير إحصاءات وزارة الثقافة والرياضة والسياحة، أنها تضم حاليًا حوالي 40 ألف موقع تاريخي مُسجّل، من بينها، حوالي 10 آلاف موقع مُصنّف على مستوى المحافظات والمدن، كما تضم البلاد ثمانية مواقع تراثية معترف بها من قِبل اليونسكو كتراث عالمي ثقافي وطبيعي، و14 عنصرًا معترفًا به من قِبل اليونسكو كتراث ثقافي غير مادي للبشرية. وحظيت السياحة الفيتنامية بتقدير كبير في مجال السياحة الثقافية بشكل خاص، ففي عام 2023 حازت فيتنام على جائزة السياحة العالمية كأفضل وجهة سياحية في آسيا من حيث التراث والثقافة وفنون الطهي. وبحسب تقديرات من مصادر سياحية فيتنامية يعد زيارة مواقع التراث الثقافي في فيتنام ثاني أكثر الأنشطة شعبية بين السياح الدوليين، بعد السياحة في المنتجعات.
ماليزيا أيضا ذات تنوع ثقافي ثري نابع من أربعة جذور رئيسية لمواطنيها هم السكان الأصليون والملايو والصينيون والهنود، ولكل مجموعة عرقية رئيسية ثقافتها وعاداتها وتراثها الخاص، ما جعلها من الوجهات السياحة الثقافية الهامة في جنوب شرق آسيا واستقبلت في العام الماضي ما يزيد عن 42 مليون زائر، كما تضم ماليزيا ثلاثة مواقع ثقافية مدرجة في قائمة التراث العالمي. وتركز حملة «زيارة ماليزيا 2026» على اهتمام العالم بالاكتشاف الثقافي والتواصل، وتسلط الضوء على ما تشتهر به ماليزيا من فنون الطهي الراقية، وتراثها الغني، وتنوعها الثقافي النابض بالحياة.
يستقطب ملايين الزوار سنويًا في كمبوديا معبد أنغكور وات فهو من أكثر المواقع جذبًا للسياح ووجهة مفضلة للزائرين الدوليين الذين يتعرفون على ثقافة البلاد وينخرطون في جولات سياحية بالقرب منه لاستكشاف ثقافة المنطقة.
وتتبع كمبوديا مؤخرا سياسات تسعى للترويج لوجهات المعابد القديمة التي تُعرف بكونها مزيجًا فريدًا من الثقافة والتاريخ والجمال الطبيعي، وما توفره المعابد والمواقع التراثية والفنون التقليدية والمهرجانات النابضة بالحياة للزوار من تجارب ثقافية غنية.