أحمد آدم
سبق وأن قمت بكتابة مقال تحليلي أكدت فيه أن ترامب غير عابئ بأنه يدفع الصين دفعا لتكون القوة العظمى الثانية في النظام العالمي؛ فالنسر الأمريكي بدأ في تنفيذ مرحلة الإغلاق على نفسه، وترامب يبدو أنه يقبل هذا التحول؛ فالهدف ليس منع الصين من أن تصبح قوة عظمى، بل هو ضمان أن تستعيد أمريكا قوتها بالكامل قبل أن تتواجه مع الصين في المستقبل..
النسر ينسحب مؤقتا لكي يستعيد قواه كاملة لينطلق مجددا وليبتعد عن مرحلة الحقائق المؤكدة التي يوثقها التاريخ بأن هناك دورة زمنية للقوى العظمى تنزوي بعدها. والخميس الموافق الرابع من «شهر ديسمبر 2025» تم الإعلان عن وثيقة إستراتيجية للأمن القومي الأمريكي تمحورت حول مبدأ «أمريكا أولاً» وتضمنت تحولاً جذرياً في العقيدة الإستراتيجية لواشنطن من قائد للعالم إلى قوة تسعى لـ«تحصين القلعة الداخلية»، ويرى التحليل المتقدم أن هذا التموضع ليس انزواءً قسرياً، بل «عزلة اختيارية» وخطة «خداع إستراتيجي» تهدف إلى إعادة البناء الداخلي وإعادة توجيه ميزان القوى العالمي لصالح المصالح الأمريكية الخالصة.
أولاً: الملخص الرئيسي للوثيقة
- أولوية نصف الكرة الغربي: التركيز بشكل كبير على تعزيز النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي (أمريكا اللاتينية) كشرط أساسي للأمن والازدهار الداخلي عبر نشر قوات عسكرية إضافية لمكافحة (الهجرة غير الشرعية ـ الجريمة المنظمة ـ وكارتلات المخدرات). وهنا ترغب أمريكا في الهيمنة على نصف الكرة الغربي حيث حددت الوثيقة أن الأولوية القصوى هي «تأمين الحدود» والهيمنة على الأمريكتين (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية) كمنطقة اقتصادية وأمنية حصرية بعيداً عن نفوذ المحور (الصيني-الروسي).
- تفكيك التحالفات القديمة: الوثيقة تصف الاتحاد الأوروبي والناتو بأنهم «عبء استنزافي» على الخزانة الأمريكية. وتؤكد على عدم وجود خطط لتوسيع حلف الناتو مما يعزز سيناريو «عقد رابع بلا أوروبا موحدة».
كما وجهت الوثيقة انتقادات لاذعة للحلفاء الأوروبيين مشيرة إلى أن أوروبا تواجه «زوالاً حضارياً» اقتصادياً وثقافياً ودعت دول الناتو إلى تحمل المزيد من الأعباء المالية والدفاعية الخاصة بها. كما دعت إلى «إعادة الاستقرار الاستراتيجي» مع روسيا وإنهاء الحرب في أوكرانيا بسرعة. كما تعلن الوثيقة صراحةً دعم واشنطن للأحزاب الوطنية القومية (أحزاب اليمين المتطرف) في جميع أنحاء القارة لتصحيح مسار أوروبا.
بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تتعامل الوثيقة الجديدة معه بوصفه «إقليما تراجعت ضروريته الإستراتيجية للولايات المتحدة» دون أن يفقد أهميته بالكامل. وفسرت ذلك بأن حاجة واشنطن إلى نفط المنطقة تراجعت مع تحولها إلى منتج ومصدّر للطاقة بالإضافة إلى أن الشرق الأوسط لم يعد ذلك المصدر الدائم للإزعاج والمصدر المحتمل لكارثة وشيكة، كما كان بل إنه يظهر الآن كمكان للشراكة والصداقة والاستثمار، وهو اتجاه ينبغي الترحيب به وتشجيعه حسب الإستراتيجية.
ومع ذلك، أكدت أن إمدادات الطاقة العالمية وأمن إسرائيل وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر ما زالت تُعتبر «مصالح حيوية» تستوجب حضوراً عسكرياً وسياسياً أمريكياً. واعترفت الإستراتيجية بأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يزال معقدا، لكنها أشادت بسعي ترامب نحو السلام من خلال اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ بقطاع غزة في 10 أكتوبر الماضي.
كما اعتبرت أن إيران خسرت الكثير من قوتها في المنطقة جراء حرب الـ12 يوما في يونيو الماضي مصورة طهران بأنها «تهديد يجب احتواؤه لا استئصاله» وذكرت الإستراتيجية أن مكافحة التطرف بالمنطقة يكمن بتخلي واشنطن عن سياساتها القديمة التي قادتها إلى حربي العراق وأفغانستان أو المتمثلة بالضغط على الدول لتغيير نظام حكمها.
- التعامل مع الصين وروسيا وآسيا: صنفت الصين كـ»منافس إستراتيجي» يتطلب الحفاظ على تفوق عسكري أمريكي لمنع تغيير الوضع في تايوان بالقوة مع المطالبة بإعادة التوازن التجاري. أما روسيا فتم ذكرها في سياق التنافس المستمر لكن التركيز العملي الأكبر كان على التجارة والطاقة وإعادة توزيع الأعباء. في المقابل تتعامل الإستراتيجية مع آسيا من زاوية مزدوجة «المحيط الهادي كساحة ردع عسكري ضد الصين»، و»الهند ودول جنوب شرق آسيا كسوق بديلة تتيح فك الارتباط الجزئي عن الاقتصاد الصيني».
ثانياً: التأثيرات السياسية والإستراتيجية
تعمل الوثيقة على تفكيك التوازنات الجيوسياسية التي سادت لعقود معلنة إعادة التموضع.
1- على الاتحاد الأوروبي:
الانسحاب التكتيكي والدفع نحو التفكك: تشير الوثيقة ضمناً إلى أن الالتزامات الأوروبية لم تعد أولوية مما يترك القارة تواجه تحدياتها الأمنية والاجتماعية بمفردها. هذا التخلي كان متوقعا فقد سبق وأيد دونالد ترامب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هذا بخلاف أن لديه اعتقادا راسخا بأن الاتحاد الأوروبي تم تكوينه في الأساس لمحاربة أمريكا اقتصاديًّا. كما أن ترامب ربط زيادة الضغط الأمريكي على روسيا بضرورة قيام أوروبا بفرض عقوبات قاسية على الدول الكبرى التي تواصل شراء النفط الروسي مثل الصين والهند. وهذا الشرط وضع أوروبا في «ورطة استراتيجية معقدة» حيث تضطر للاختيار بين إغضاب واشنطن أو الإضرار بعلاقاتها التجارية مع بكين ونيودلهي . والواقع يؤكد أن روسيا تستغل الخلافات السياسية داخل أوروبا لدعم الأحزاب اليمينية المتطرفة أو الشعبوية التي تتشكك في مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، كما تستخدم موسكو وسائل إعلامها مثل قناتي «روسيا اليوم» و»سبوتنيك» لتقديم وجهات نظرها حول الأحداث العالمية وتشكيل الرأي العام الأوروبي بما يخدم مصالحها.
وفي الوقت الذي تتعرض فيه دول مثل بولندا وأستونيا ودول البلطيق لتوغلات عسكرية روسية جوية نجد أن الدبلوماسية الروسية تسعى في الوقت ذاته لإقناع هذه الدول أو غيرها بوجود فرصة للتعاون. فموسكو تعرض الآن «أمناً طاقياً» واتفاقيات عدم اعتداء بضمانات صينية مستغلةً انسحاب ترامب التدريجي من التزامات الناتو (وفق وثيقته الاستراتيجية لعام 2026). وهذا التناقض يُظهر أن روسيا لا تعتمد على أسلوب واحد في سياستها الخارجية بل تستخدم أسلوب العصا والجزرة وهو ما يمكن أن يحفز دول أوروبا الشرقية وتجد نفسها مضطرة للقبول بـ «منطقة نفوذ روسية» هادئة لتجنب صراع عسكري لن يأتي فيه الأمريكيون لنجدتهم. هذا يخلق بالفعل «قطباً معزولاً» يؤمن حدود روسيا ويضمن لأوروبا الشرقية البقاء خارج أتون الحرب.
عودة الحديث عن جرينلاند ورغبة ترامب في أن تتنازل عنها الدنمارك لأمريكا فتؤكد أن ترامب لا يفكر فقط في الأمن بل في «الجغرافيا الاقتصادية» للمستقبل حيث الممرات الملاحية الجديدة في القطب الشمالي والثروات المعدنية الهائلة مما يجعل القارة الأمريكية الشمالية «قلعة حصينة» ومكتفية ذاتياً. وهو ما أدى للعودة بالمطالبة بجرينلاند وهي رسالة بأن أمريكا لم تعد تعترف بحدود الحلفاء إذا تعارضت مع مصالحها. في البداية، قوبلت فكرة ترامب بشراء جرينلاند (وهي جزء شبه مستقل من الدنمارك) بالرفض التام والسخرية من قبل أوروبا لكن التهديد اللاحق بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية التي تعارض خطته أدى إلى رد فعل أوروبي موحداً وأكثر حزماً وصل إلى حد التهديد بـحرب تجارية فقد عقد الاتحاد الأوروبي اجتماعات طارئة لوضع استراتيجية رد جماعية.
وأكدت الدول الأوروبية بما في ذلك فرنسا وإيطاليا على ضرورة مواجهة تهديدات ترامب ورفضها للابتزاز التجاري، وهذا يعكس وبوضوح فشل الدبلوماسية الاقتصادية التي كان يراهن عليها ترامب لاختراق السوق الاوروبية منفردا، كما لوحت أوروبا بتفعيل «آلية مكافحة الإكراه» التجارية الخاصة بها والتي تسمح بفرض رسوم جمركية مضادة تصل قيمتها إلى 93 مليار يورو على السلع الأمريكية. ثم صوت البرلمان الأوروبي على تعليق الموافقة الرسمية على اتفاق تجاري كان قد تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة سابقاً في خطوة لإظهار الرفض القاطع للضغوط الأمريكية.
باختصار، حولت تهديدات ترامب أزمة دبلوماسية وُصفت بالسخيفة في البداية إلى مواجهة تجارية جادة ما دفع أوروبا إلى توحيد صفوفها وإعداد رد حازم ومتبادل بالمثل. وفي النهاية أعلن ترامب تراجعه عن التهديدات بالتعريفات الجمركية بعد التلويح الأوروبي بالرد التجاري القوي. هذا التراجع لم يرمم الثقة بل زاد من قناعة الأوروبيين بأن أمريكا أصبحت حليفاً لا يمكن التنبؤ به.
تصدع التحالف مع اليمين المتطرف:
بعد سنوات من الدعم المتبادل بدأت الأحزاب اليمينية القومية في أوروبا بالابتعاد عن ترامب بسبب شعورها بالتهديد المباشر لسيادتها الوطنية. فوصف زعماء يمينيون بارزون مثل جوردان بارديلا (فرنسا) وأليس فايدل (ألمانيا) محاولات ترامب للسيطرة على غرينلاند بأنها «ابتزاز تجاري» و»تدخل في الشؤون الداخلية». كما صرحت أليس فايدل (حزب البديل من أجل ألمانيا) بأن ترامب «انتهك وعداً أساسياً بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى» بينما وصف حلفاء سابقون مثل نايجل فاراج تحركات ترامب بأنها عمل عدائي.
جرينلاند كانت نقطة فاصلة فأوروبا اليوم لم تعد «العجوز الضعيفة» بل هي في حالة «استنفار سيادي» واليمين المتطرف الذي كان يأمل ترامب أن يكون «طابوره الخامس» لتفكيك الاتحاد الأوروبي أصبح الآن هو الأكثر تشدداً في حماية «الأرض الأوروبية» من الأطماع الأمريكية.
2- على منطقة الشرق الأوسط:
التخلي الإستراتيجي: تبرر الوثيقة الانسحاب التكتيكي من المنطقة بعدم أهميتها الإستراتيجية كمصدر للطاقة بفضل خطط الاكتفاء الذاتي للطاقة فحاجة واشنطن إلى نفط المنطقة تراجعت مع تحولها إلى منتج ومصدّر للطاقة مع الاعتماد على إسرائيل كـ»اليد الطولى» لضمان استمرار سيطرة واشنطن على ممرات الطاقة والملاحة وردع القوى الإقليمية دون تكبّد تكاليف الوجود العسكري المباشر مع الوضع في الاعتبار وجود 7 قواعد عسكرية لأمريكا في كل من قطر والكويت والبحرين والإمارات والعراق وعمان وسوريا كما تستخدم ميناء جبل على في الإمارات كقاعدة عسكرية لقواتها البحرية وأحيانا تستخدم ميناء العقبة في الأردن لخدمة قواتها البحرية. ولكن نظرة امريكا للمنطقة بالوثيقة كمكان للشراكة والصداقة والاستثمار وهو اتجاه ينبغي الترحيب به وتشجيعه حسب الإستراتيجية الأمريكية الجديدة إلا أن هناك مشكلات قد تؤدى لخروج إسرائيل عن النص وتشعل منطقة الشرق الأوسط بصورة غير مسبوقة.
أهم هذه المشكلات نوجزها فيما يلي:
* الاتفاقات النووية والدفاع المشترك التي عقدها ولي العهد محمد بن سلمان مع أمريكا وباكستان يحصّن السعودية إستراتيجياً ويجعلها قوة إقليمية لا يمكن السيطرة عليها مستقبلاً واصرار ولى العهد السعودي على ربط التطبيع بـ إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة بضمانات أمريكية. هذا يُعتبر نقضاً كاملاً لسياسة نتنياهو لـ»تجويف» القضية الفلسطينية وإنهائها.
* رفض القادة العرب السماح لقواتهم بالقتال ضد حماس أو نزع سلاحها. وإسرائيل تريد قوة عربية تتحمل عبء الفوضى بدلاً منها.
* إن مصر وقفت وبقوة أمام مخططات إسرائيل تجاه المنطقة برفضها تهجير أهالي غزة ثم رفضها الاشتراك في قوة تأمين غزة وتدشينها مع بوتين أهم مراحل مشروع الضبعة النووي والقيام قبلها بوقت قصير بعمل مناورات «نسور الحضارة 2025» مع الصين فوق البحر الأحمر والتي كشفت عن عبور سرب من المقاتلات الصينية المتقدمة دون أن ترصده أنظمة المراقبة الأمريكية أو الإسرائيلية المنتشرة في المنطقة لمدى 7000 كيلومتر في مجال حيوي يغطي حاملة الطائرات «رومان»، وهو ما أشار إلى أن الصين لديها تقنيات تخفّي واتصالات تتفوق على أنظمة الرصد الغربية الحالية. واختيار الصين لمصر كمسرح للمناورات ليس عشوائياً. فمصر هي حليف إستراتيجي (تقليدياً لأمريكا) وهذا التعاون العسكري الصيني- المصري في منطقة بالغة الحساسية (البحر الأحمر وقناة السويس) هو دليل عملي على «الانحراف» المصري نحو تنويع التحالفات بعيداً عن السيطرة الأمريكية وهو ما سيؤدي وحتما لكسر الميزة النسبية العسكرية الوحيدة التي تمتلكها إسرائيل أمام مصر وهى التفوق الجوي وهو أمر جلل من وجهة نظر إسرائيل.
المحور الصيني- الروسي سيستفيد بشكل مباشر من هذا التموضع. فالوثيقة تعلن تصنيف الصين كـ»منافس استراتيجي»، لكنها لا تسعى لـ«استئصال» نفوذها بل لـ«احتواء» نفوذها في آسيا فقط. هذا التموضع يكشف عن قبول أمريكي ضمني بتحول النظام العالمي إلى القطبية الثنائية. الهدف الأمريكي وفق التحليل المتقدم هو ضمان أن تستغل واشنطن فترة عزلتها لتحقيق استعادة كاملة لقوتها عبر الأمن الداخلي والاكتفاء الطاقي قبل أن تتواجه مع الصين وروسيا وهو ما يفسر تقاعس ترامب عن الضغط على روسيا في أوروبا.
ثالثاً: التأثيرات الاقتصادية الأقوى (تحصين القلعة وتصدير الفوضى)
تكمن القوة الحقيقية للوثيقة في إعادة هندسة الاقتصاد الأمريكي والإقليمي بشكل يخدم بالفعل مصالح امريكا وبشكل لافت للانتباه.
1- الاكتفاء الطاقي المطلق:
تأكيد الوثيقة أن الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط بصفتها مصدر الطاقة العالمي قد تراجعت بسبب عدم حاجة أمريكا للطاقة يجعلنا نؤكد أن استراتيجية الاستغناء عن الوقود الأحفوري الأجنبي لتحقيق استقلال طاقي كامل ثم استخدام هذا الاستقلال كرافعة لإعادة بناء النفوذ الإقليمي وترك مناطق الصراع القديمة.
لابد وأن تعتمد على أكبر احتياطي فحم في العالم بالولايات المتحدة. ويتم تحويل هذا الفحم إلى بترول وغاز في مصانع يمكن أن تقام في المكسيك مما يضمن لـ أمريكا وقوداً آمناً ورخيصاً بعيداً عن تقلبات الشرق الأوسط. فتكلفة العمالة والطاقة التشغيلية في المكسيك أقل بكثير مما هي عليه في الولايات المتحدة مما يجعل سعر إنتاج البرميل الاصطناعي من الفحم تنافسياً للغاية. كما يدمج هذا المخطط المكسيك بشكل أعمق في النظام الاقتصادي والأمني الأمريكي مما يحولها من جارة مزعجة إلى «شريك لا غنى عنه في الأمن الطاقي».
ووضعا في الاعتبار: أن التكنولوجيا الأساسية لتحويل الفحم إلى وقود سائل (CTL) هي في الأصل تكنولوجيا ألمانية (عملية فيشر- تروبش) تم تطويرها واستخدامها خلال الحرب العالمية الثانية. وأن الصين بدافع الحاجة الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على الواردات بالدولار ضخمت استثماراتها في هذا المجال على نطاق صناعي واسع لتصبح الرائدة في هذا المجال. وإذا أصبحت أمريكا مكتفية ذاتياً تماماً من النفط والغاز (عبر الصخر الزيتي، والموارد الكندية والمكسيكية، والآن تحويل الفحم) فإنها تستغني عملياً عن الشرق الأوسط كمصدر رئيسي للطاقة. وهو ما سيؤدي إلى:
- ترك القوى الإقليمية (إيران، تركيا، السعودية، إسرائيل) لتتوازن فيما بينها مما يستنزف مواردها وطاقاتها. مع إزالة عبء الحماية العسكرية المكلفة من ميزانية الولايات المتحدة والتي يمكن توجيهها نحو إعادة بناء أمريكا داخلياً.
اكتمال منظومة الطاقة بدمج الأمريكتين في كتلة حصرية: ويتم دمج دول أمريكا اللاتينية (خاصة المكسيك وكولومبيا والبرازيل) والتى تمتلك احتياطيات فحم كبيرة في منظومة إنتاج طاقي وأمني أمريكية. هذا يضمن زيادة في الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول مما يحقق لها «السلام الاجتماعي» عبر النمو والوظائف فالدول التي تعاني من عدم الاستقرار الاجتماعي والفقر تكون أكثر عرضة للتدخلات الخارجية (خاصة من المحور الصيني- الروسي عبر القروض والمشاريع) وعندما تصبح هذه الدول مزدهرة ومكتفية ذاتياً، فإنها تصبح حصناً ضد النفوذ الشرقي كما أن استقرار هذه الدول اقتصادياً وتتراجع معدلات الجريمة ينخفض تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. وهذا يحقق الهدف الأسمى لترامب وهو تأمين الحدود.
2- تصدير الفوضى الأمنية
(الخطر الخفي):
الحرب الواسعة على عصابات المخدرات في الداخل الأمريكي وتشديد الرقابة الأمريكية على الحدود والموانئ وزيادة العزل الداخلي (كما في إستراتيجية ترامب) سيؤدى لفقدان أباطرة المخدرات في امريكا اللاتينية للسوق الأمريكية وهى أكبر أسواقهم وهو ما سيدفعهم للتوجه نحو أسواق بديلة ضخمة ذات قدرة شرائية عالية وهى متوفرة في أوروبا وشرق آسيا ودول منطقة الشرق الأوسط كما أن هناك نقل لصناعة المخدرات سيتم من دول أمريكا اللاتينية إلى دول بعينها في أوروبا وشرق آسيا ومنطقة الشرق الاوسط تتوفر فيها تزايد العمالة المهاجرة من أمريكا اللاتينية مما يوفر شبكات لوجستية وبشرية مألوفة لأباطرة المخدرات. مع وجود أجهزة أمنية يمكن اختراقها. وهذا يمثل تصديرًا للفوضى الأمريكية حيث يستنزف الأمن الداخلي للخصوم والحلفاء القدامى (أوروبا ودول الخليج) ويشتت انتباههم عن البناء الاستراتيجي. سيناريو انتقال المخدرات سيفاقم من تدهور أوضاع الاتحاد الأوروبي من خلال تآكل السلام الاجتماعي: زيادة في الجريمة المنظمة، وتفشي الإدمان وتورط للجاليات المهاجرة مما يُنهك الأنظمة الصحية والأمنية الأوروبية. تغذية اليمين المتطرف: ستستغل الأحزاب اليمينية المتطرفة هذه الفوضى (زيادة الجريمة وتدهور الأوضاع المعيشية) لتعزيز خطابها ضد المهاجرين مما يدفع المزيد من الدول للانسحاب أو التفكك من الاتحاد الأوروبي محققاً بذلك هدف ترامب غير المعلن بإضعاف كتلة الاتحاد الأوروبي كقوة منافسة.
وبالنسبة لدول الخليج: فتُعرف دول الخليج بمستويات عالية جداً من الأمن الداخلي. ودخول أباطرة الجريمة المنظمة إليها يمثل استنزافاً هائلاً لمواردها: فبدلاً من التركيز على التنمية الاقتصادية ستضطر الحكومات الخليجية لتوجيه المزيد من الموارد إلى الأمن الداخلي ومكافحة الجريمة المنظمة المعقدة. كما أن إدخال آفة الإدمان والجريمة المنظمة بهذا الحجم يهدد بتفكيك استقرار مجتمعاتها المحافظة مما يمنعها من تحقيق انطلاقتها الاقتصادية الكبرى (التي تحتاج إلى استقرار اجتماعي كامل).
حتى المحور الصيني- الروسي سيواجه عبئاً إستراتيجياً جديداً : فبدلاً من التركيز على المواجهة الجيوسياسية والاقتصادية مع أمريكا ستضطر هذه الدول إلى صرف مواردها لمكافحة الجريمة المنظمة التي تتسلل إلى أسواقها وأراضيها عبر الحدود المفتوحة والشبكات العابرة للقارات.
عملية تأمين القلعة الأمريكية ستؤدي إلى تصدير الفوضى إلى الأطراف المنافسة فهي ليست خطة دفاعية فقط، بل هي خطة لزعزعة استقرار النظام العالمي القديم تمهيداً لولادة نظام جديد يُركز فيه ترامب على القوة الداخلية والسيطرة الإقليمية المطلقة.
3- تفكيك نظام البترودولار:
إن سعي أمريكا للاكتفاء الذاتي التام من الوقود يقلل من حاجتها لاستيراد النفط بالدولار مما يزيد من ضغوط تفكيك اتفاقية البترودولار بشكل يكون بمثابة «الضوء الأخضر» للقوى المناوئة في الخارج لتسريع وتيرة تفكيك النظام المالي العالمي الذي تقوده واشنطن. وتتجسد هذه القوة في تحركات الصين الاستراتيجية على ثلاثة مسارات.
* بريكس الحزام المالي الجديد: يعمل تكتل البريكس (الذي يضم أكبر دول العالم إنتاجاً واستهلاكاً للطاقة والبضائع)، على بناء نظام مالي موازٍ يهدف إلى إنهاء هيمنة الدولار. وقد أثار قرار ضم دول محورية كالمملكة العربية السعودية مخاوف عميقة في واشنطن، إذ يُنظر إليه عالمياً على أنه حدث فاصل سيعيد تشكيل الاقتصاد. وتُشكل دول البريكس تحدياً مباشراً عبر توجيه التجارة البينية نحو التسوية بالعملات المحلية (اليوان الصيني والرنمينبي)، مما يضعف الطلب العالمي على الدولار الأمريكي.
* الذهب الصيني الجديد السلاح ضد الهيمنة النقدية: في ظل تراجع الدولار، تحولت الصين ببراعة إلى ورقة الذهب الرابحة. فقد عززت بكين استراتيجيتها طويلة الأمد بتحويل الذهب إلى أداة سيادية، ونجحت في أن يقفز سعر المعدن النفيس إلى مستويات قياسية (متجاوزاً 5500 دولار للأونصة في نهاية يناير 2026). «الذهب الصيني الجديد» ليس مجرد معدن، بل هو بنية تحتية مالية جديدة تهدف إلى إلغاء هيمنة الدولار.
* تغيير مركز التسعير: تعمل الصين بنشاط، من خلال بورصة شنغهاي للذهب (SGE) على استقطاب البنوك المركزية الصديقة لتشتري وتخزن الذهب عبر خزائنها. الهدف هو أن تتحول الصين من مجرد مستورد ومستهلك إلى أمين خزنة عالمي يحفظ احتياطيات الذهب السيادية.
* عقود اليوان المدعومة بالذهب: أطلقت بورصة شنغهاي عقوداً جديدة لتداول الذهب باليوان الصيني بدلاً من الدولار، مما يعزز دور اليوان كعملة تسوية عالمية يكون الذهب هو «مرساة الثقة» لها. هذه الآلية توفر قناة مالية مقاومة للعقوبات (Sanctions-Resistant) لشركاء البريكس ومبادرة الحزام والطريق.
* الذهب المادي مقابل الذهب الورقي : تختلف الآلية الصينية عن الغربية (لندن/ نيويورك) بتركيزها على التسليم المادي للذهب في معظم المعاملات، مما يضمن أن السعر يعكس العرض والطلب الحقيقيين للذهب الفعلي، وليس المضاربات على العقود الورقية.
4- رد الفعل الأمريكي:
أمريكا أعدت عدتها لمواجهة احتمالات سعى الصين لإظهار نظام مالي عالمي جديد قد يؤثر على النظام القائم كما كانت هناك مؤشرات بدأت تظهر في الأفق تؤكد على سعى البنوك المركزية في اغلب الدول لزيادة نسبة الذهب في احتياطياتها مقابل السندات واذون الخزانة الامريكية. ففي يوليو 2025 تم تمرير قانون يحمل اسم «قانون توجيه وضمان الابتكار الوطني للعملات المستقرة» القانون يلزم مصدري العملات المستقرة مثل tether والتي تمتلك 135 مليار دولار من الديون الأمريكية وهذا يجعلها المالك رقم 17 عالمياً للديون الأمريكية متفوقة على دول مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية والسعودية . وكذا مثلusds بالاحتفاظ باحتياطياتهم في «أذون خزانة أمريكية قصيرة الأجل». وهذا يعنى خلق «مشتري إجباري» للديون الأمريكية. فكل دولار يدخل سوق الكريبتو يتحول أوتوماتيكياً إلى طلب على اذون وسندات الخزانة الأمريكية. وهو ما يعنى أن الخزانة الأمريكية أدركت التراجع الذى يمكن أن يحدث في الطلب على اذون وسندات الخزانة الامريكية فقررت أن تستخدم شركات الكريبتو التي تملك طلباً لا ينتهي وأصبحت الشركات الخاصة تصدر «دولارات رقمية» وتشتري ديون الحكومة وتحتفظ بالأرباح وبذلك أمريكا تحصل على تمويل لديونها والشركات تحصل على الأرباح والعالم يحصل على «دولارات رقمية» سهلة التداول والتوقعات تشير إلى أن العملات المستقرة قد تشتري ما يصل إلى 30 % من سوق أذونات الخزانة بحلول 2030م. وبهذا فأمريكا يقل اعتمادها على البترودولار وتنتقل بسلاسة إلى الكريبتو دولار والعملات المستقرة بذلك لن تكون «تكنولوجيا هامشية» بل ستصبح ركيزة أساسية للأمن القومي المالي الأمريكي.
مع ضرورة الاشارة إلى: - بلغ إجمالي الدين الوطني للولايات المتحدة حوالي 38.42 تريليون دولار اعتباراً من مطلع يناير 2026 وتشير تقارير وبيانات مالية حديثة إلى أن الدين تجاوز حاجز الـ38.5 تريليون دولار مع بداية الشهر نفسه. ومن المتوقع أن تصل مدفوعات الفائدة السنوية على الديون إلى تريليون دولار لأول مرة خلال عام 2026 ووصول فوائد الدين إلى تريليون دولار يعني أن أمريكا بدأت تأكل نفسها من الداخل.. سندات وأذون الخزانة بلغت قيمتها بالفعل نحو 30.81 تريليون دولار في 7 يناير 2026 وتواجه وزارة الخزانة تحدياً كبيراً هذا العام حيث يُستحق سداد أو إعادة تمويل نحو ثلث إجمالي الديون ما يعادل 10-12 تريليون دولار من السندات خلال عام 2026.
- دخول الأموال سهل ويدعم السندات لكن خروج الأموال في وقت الأزمات يجبر هذه الشركات على بيع السندات فوراً لتوفير الكاش إذا حدثت أزمة ثقة وقرر المستثمرون استرداد أموالهم من العملات المستقرة وهذا يعني «إغراق» سوق السندات الأمريكية في أسوأ توقيت ممكن مما قد يفجر النظام المالي بالكامل .
ـ استبدال البنوك المركزية بالأفراد والمؤسسات الخاصة في امتلاك الاذون والسندات الأمريكية سيشكل قماشة عريضة للتآمر على الاقتصاد الأمريكي فالقوى المنافسة (كالمحور الشرقي) يمكنها التلاعب بسوق الكريبتو لضرب سوق السندات الأمريكي دون إطلاق رصاصة واحدة. وتهديد أمن أمريكا القومي بشكل يسمح للقوى المنافسة بالتأثير على قرارها السيادي.
الوثيقة الإستراتيجية للأمن القومي الأمريكي التي أعلنها ترامب في الرابع من ديسمبر الماضي ستكون سببا في رسم خريطة جديدة للعالم وظهور قوى تشكل النظام العالمي تعيش في جذر منعزلة تهتم فقط بأمنها ومصالح شعوبها فهل آن الأوان لتعيش البشرية في هدوء وهل تخرج مرحلة ازدهار البشرية من رحم ما نعانيه الآن من خوف وقلق من صراعات قد تؤدى لحرب نووية تعيدنا للعصر الحجري. هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.
قال تعالى: {حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} صدق الله العظيم